وأوضح الله عناصر محاكمته لإبليس في سورة (ص/38 مصحف/38 نزول) :
فهذه النصوص كلها تحقق أن علة رفض إبليس السجود إنما كان عنصر الاستكبار في نفسه.
فمن أين للنقاد (د. العظم) أن يزعم أن هذا الرفض لم يكن استكبارًا وفخارًا بقدر ما كان استذكارًا لحقيقة أساسية شاءها الله وأوجدها على ما هي عليه، مادام يحلل القصة من نصوصها تحليلًا لغويًا وهو لا يؤمن بها أساسً، كما لا يؤمن بأية حقيقة دينية؟
ولدى المقارنة بين الامتحان الذي أجراه الله لإبليس، والامتحان الآخر الذي أجراه الله لآدم، نلاحظ أن ابتلاء إبليس قد كان في مخالفة جرثومة الكبر في نفسه فسقط في الامتحان بعد أن كان قائمًا بالطاعات التي لا تصادم هوى في نفسه ثم أصر على الاستكبار والعناد والتمرد، أما ابتلاء آدم فقد كان في مخالفة جرثومة الشهوة في نفسه فسقط في المعصية، فعوقب، ولكنه لم يصر ولم يعاند، بل رجع وأناب، واستغفر الله وتاب، ففتح الله له باب القبول ونجح في الدور التكميلي.
وحين نمنع النظر في العناصر الحقيقية التي تقتضي تفضيل بعض الكائنات على بعض، فلا بد أن نلاحظ أن الله قد فضل الإنسان المخلوق من الطين على الجن المخلوقين من النار، بما وهبه من خصائص عملية استنباطية، ليست موجودة لدى الجن، ويرى كثير من الباحثين أن الله فضله بهذه الخصائص على الملائكة أيضًا، بدليل أن الله أمر الملائكة بالسجود له، وبدليل أن الله علَّم آدم الأسماء كلها في حين أن الملائكة أعلنوا عجزهم فقالوا: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} .
وبعد أن درسنا الخصائص الإنسانية وعرفناها تبين لنا أن الإنسان قادر على إدراك الأشياء الغائبة عنه، عن طريق الاستنباط من سماتها وآثارها القريبة أو البعيدة، فهو يستطيع بالتأمل والاستنتاج أن يدرك بعقله ما لا يدركه بحواسه إدراكًا مباشرًا.
فلعل هذا هو ما امتاز به آدم أبو البشر على الملائكة الذين أعلنوا أنهم لا يعلمون إلا ما يعلمهم الله إياه بطريق مباشر، أما أن يعلموا سمات الأشياء وخصائصها عن طريق الاستنباط العقلي فهذا أمر لا يملكونه، ولما وضع الله آدم موضع الامتحان أظهر براعته بهذا الشأن، وبذلك ظهرت للملائكة حكمة الله الجليلة في خلق الإنسان وإبداعه.