فدعوة ابن حزم أساسًا: معارضة التأويل والتماس المفهوم القرآني الواضح والوقوف عنده. وقد رأى ابن حزم أن القياس والرأي قد بدعدا بين المفهوم الأساسي، وبين التفسير الذي وصل إليه الفقهاء، وأن ذلك كان مصدر الفساد الذي تعرضت له الحياة الاجتماعية في بيئته الأندلسية، فكانت دعوته هي صدى تيار القياس الذي أصبح وسيلة سهلة في أيدي بعض الفقهاء تكاد تخرج بالناس عن الحدود والضوابط التي رسمها القرآن، لتبرر أوضاع الحضارة والحياة الاجتماعية التي خرجت عن مبادئ الأخلاق والضمير في قرطبة.
وقد رأى ابن حزم أن القياس والاستحسان قد خرجا عن الحدود التي وضعت لهما بحيث أصبحت الأمور أشبه"بالفوضى التي لا ضابط لها".
"جملة الخبر كله أن تلزموا ما نص عليه ربكم تعالى في"القرآن"بلسان عربي مبين، لم يفرط فيه من شيء، وما صح عن نبيكم صلى الله عليه وسلم برواية الثقات من أئمة أصحاب الحديث رضي الله عنهم، مسندًا إليه عليه السلام، فهما طريقان توصلكم إلى رضى الله عز وجل. وأعلموا أن دين الله ظاهر لا باطن له، وجهر لا سر تحته، كله برهان لا مسامحة فيه، واتهموا كل من يدعو إلى أن يتبع بلا برهان، وكل من إدعى للديانة سرًا وباطنًا فهي دعاوى ومخارق، وأعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتم من الشريعة كلمة فما فوقها ولا أطلع أخص الناس به من زوجة أو ابنة أو عم أو ابن عم أو صاحب، على شيء من الشريعة كتمه عن الأحمر والأسود ورعاة الغنم، ولا عنده عليه السلام سر ولا رمز ولا باطن، غير ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتمهم شيئًا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا فهو كافر، فإياكم وكل قول لم يتبين سبيله، ولا وضع دليله ولا تخرجوا عما مضى عليه نبيكم صلى الله عليه وسلم."