المبحث الرابع
في الاستخارة وعلاقتها بالتوحيد
من جميع الجهات وبيان ذلك تفصيلًا
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول
تحقيق التوحيد سبب للنصر
وفشو الشرك والبدع سبب للذل والهزائم
إن التوحيد معناه كمال العدل والإنصاف، والعدل يساوي النصر والعلو؛ وذلك لأن التوفيق بيد الله سبحانه فمن وحده كان عادلًا في جانب حق الله، ومن أشرك ظلم نفسه، ولم ينصف مع ربه الذي خلقه ورزقه وسخر له كل شيء؛ لذا كان الهم والغم والخذلان والذل حليفه طول حياته.
يتساءل كثير من الناس عن سبب ذلك وهوان العالم الإسلام، ويسعون جاهدين في البحث عن الأسباب، والسعي على بث روح الجهاد والنضال في الشعوب الإسلامية، وهذا جيد، لكن السبب الرئيسي للهزيمة لم يلتفتوا إليه ولم يسعوا لإصلاحه.
إن انتشار الشرك والبدع في الأمم المسلمة، لو سعى الدعاة اليوم لمحاربته وجاهدوا لنشر التوحيد، وإحياء السنن، وإخماد البدع، لظفروا بالورقة الرابحة التي بها يحصلون على النصر والفوز.
وإذا قيل لهم: جاهدوا على إزالة الشر والبدع من المجتمعات، أجابوا قائلين: ليس هذا وقته، إن الدعوة إلى التوحيد وإخماد البدع تؤدي إلى التفرقة ونحن نريد النصر، ولم الشمل، ونسوا أو تناسوا أن وجود الناس بهذه الصورة المخزية وانغماسهم في مستنقعات الشرك والخرافات هو السبب الرئيسي للتفرقة والهزيمة، ولو عادوا لطريقة نبيهم في الدعوة لانتصروا ولكنهم وقعوا فيما فروا منه، وتشتتوا أكثر فأكثر من حيث لا يشعرون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول - صلى الله عليه وسلم - سلطت عليهم الأعداء فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد مرة، وأخذوا الثغور الشامية شيئًا بعد شيء إلى أن أخذوا بيت المقدس في أواخر المائة الرابعة، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق، وكان أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة، إلى أن تولى نور الدين الشهيد، وقام بما