من أجل أن يبين أن مشيئته، وأن قدرته، وأن إرادته لا يردها شيء، وإذا أراد الله عز وجل نصرة قومِ، وأراد تأييد أمة، فلا ينبغي أن تنظر إلى حالها من جهة ما فيها من أقدار، بل يجب عليها أن تتطلع إلى ما فيها من امتثال لشرع الله، لا ينبغي لها أن تقول: حالنا يختلف عن حالهم وأمرنا يختلف عن أمرهم.
فهذا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكون الذي أمامه فرعون أشد من فرعون موسى، أبو جهل، وكادوا فيه وله من أنواع المكائد ما الله بها عليم.
وكلما اشتدت الأزمة وكلما اشتد الطغيان كان الأمل بنصر الله، فلو تفكرتم في حاله صلى الله عليه وسلم في يوم الهجرة وهي اللَبِنة الأولى لتشييد نصرة الله لهذا الدين عندما أجمعوا أمرهم اجتمعت قريش بقدّها وقديدها في اللحظة التي قررت أن تقتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمرهم يدبر على الأرض وكان أمر الله عز وجل يقدر في السماء، يشتد طغيانهم، يشتد غيظهم يشتد حقدهم عليه!! وكلما اشتد حقدهم وكثر تدبيرهم وتمالأ شرهم، كانت إرادة الله عز وجل بالنصرة في تلك اللحظة، فلا يجوز لأحدٍ أن يقول لابد أن يكون حالنا هكذا من الأقدار المختلفة والأحوال المتنوعة لتتم النصرة فكل نبي من الأنبياء له حالة.
هناك نبي ملك وهناك نبي ابن سادن النار، وهناك نبي ابن قوم مستضعفين أراذل، تحت سيطرة فرعون، وهم بنو إسرائيل، يقتل الأبناء، ويستحيي النساء، ويسخرهم لأرذل الأعمال، {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} كما يقول فرعون عن بني إسرائيل.
وكذلك لو رأيت إلى نصرة الله للدعوات التي قام فيها أتباع الأنبياء لرأيت كل حالة تختلف عن أخرى، فهذا محمد بن عبد الوهاب في قرية منسية في عمق الصحراء لا يلتفت لها أحد، ولا تسترقها الأنظار، ولا تسرق الأنظار، ومع ذلك خرجت منها الجموع، وحصل فيها الخير، جهلٌ مدقع، وبؤسٌ شديد، وفرقةٌ قاتلة، وشركٌ متلاطم، وتناحرٌ بين القبائل، وقلة ذات اليد، صحراء لا شيء فيها ومع ذلك كانت مصدر خير، فلا ينبغي لأحد أن يقول: إن نصرة الله عز وجل لا تقع إلا على هذا النسق من الأقوام، ولا على هذا النمط من الأحوال القدرية، بل الواجب أن يتفكر الناس، ويتفكر المتفكرون، في مقدار تحقق الأمر الشرعي في هذه الأمة من الأمم، فإن الله عز وجل يذل الدول