فاذا أنعمت النظر في كلامه رحمه الله زالت عنك الشبه وانكشفت عنك الغمة وانفتح لك باب واسع في فهم كلامه رحمه الله فهو في كل مرة ذكر فيها عدم التكفير الا بثبوت الشروط وانتفاء الموانع كان كلامه في مسائل النزاع او مسائل اهل البدع او فيمن لم تبلغهم الدعوة ومما يثبت ذلك احتجاجه رحمه الله بحديث الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني ... ) فعذر هذا الرجل كان بسبب جهله لبعض صفات الله وهذه من الأمور التي قد تخفى على بعض الناس في زمن من الأزمان لعدم بلوغ الدعوة ومن المعلوم بداهة ان جهل هذا الرجل بهذه الصفة ليس كالجهل بالله أو كالجهل بوحدانيته أوبصدق أنبيائه فجاهل هذه لا يتوقف عاقل في كفره.
قال رحمه الله في المجموع (7/ 538) :"الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرًا إذا كان مقرًا بما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه".
وفي مثل هذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله:"لله أسماء وصفات لا يسع أحد ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا الروية والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفاه عن نفسه، فقال (ليس كمثله شئ) الشورى 11 (نقله الذهبي في العلو للعلي الغفار) ."
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (وأما الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروه، فهذا لم تقم عليه الحجة التي يكفر مخالفها، وأهل الفترة لا يقاسون بغيرهم. والشيخ قصده أن الأصول قد يجري فيها ذلك، وليس المراد أن كل من عرضت له شبهة في الأصول يعذر بها) (منهاج التأسيس104)
قال الشيخ ابو بطين رحمه الله:
وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه، وأن الله غفر له، مع
شكه في صفة من صفات الرب سبحان: فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له. كذا قال غير واحد من العلماء. ولهذا قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها: كفر، وإن كان مثله يجهلها: لم يكفر. قال: ولهذا لم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك في قدرة الله؛ لأنه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة. وكذا قال ابن عقيل، وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة.