الصفحة 35 من 188

ولذلك فنحن لا نرضى لأنفسنا أبدًا أنْ نتنزّل مع أهل التجهم والإرجاء فنناقش خيالًا وأمرًا لا وجود له في واقع الحكم اليوم .. بل لا نناقش إلاّ في التشريع الذي هو حقيقة شرك الحكام في زماننا. وكم ناظرت منهم ناسًا كنتُ لا أسمح لهم بإضاعة الوقت والجهد في مراء ونقاش خارج عن الحقيقة، وأُلزمهم بأمر واحد فقط (التشريع وفق نصوص الدستور) أهو كفر مجرّد؟ أم أنّه معصية كالزنا وشرب الخمر ولا يكفر مرتكبه إلاّ بالجحود والاستحلال.

ولذلك فنحن لا نُورد عليهم هذه الآيات التي يدندن حولها الحلبي وأمثاله من أهل التجهم والإرجاء وكذلك فعل الخوارج في سالف الأزمان، لأن ظاهرها وعمومها قد يحتمل ما أورده وأوردوه إن عدل بها عما يبينها من المحكم وأسباب النزول؛ بل لا نستدلّ إلاّ بآيات تكفير المشرّعين والمتابعين لشرائع الكفر والمتحاكمين للطاغوت.

وعندها لا نجد منهم إلاّ التناقض والتخبط والنكوص، لأنَّهم إنْ ناطحوا مثل هذا الأمر فهم:

كناطح صخرة يومًا ليوهنها فما ضرّها وأوهى قرنه الوعلُ

وذلك لأنهم لن يناطحوا فرعا من الفروع كما يظنون؛ بل سيناطحون ساعتها أصل الدين وقطب رحى دعوة الأنبياء والمرسلين (التوحيد والكفر بالطاغوت) الذي أجمعت الأمّة على كفر تاركه، ولا دور في هذا الترك ولا أثر فيه للاستحلال أو الجحود، إلاّ على سبيل الزيادة في الكفر.

يقول الحافظ أبو الفداء ابن كثير في البداية والنهاية: (فمن ترك الشرع المحكم المُنزّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا [1] وقدّمها عليه [2] ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين قال

(1) أي ياسق التتار وقانونهم.

(2) قوله: (قدّمها عليها) ، قد يتلاعب المرجئة بأمثال هذا اللفظ ويُفسرونه بالتقديم الاعتقادي، وكلّ من لديه مسكة من عقل يعلم أنَّ التقديم يكون بتحكيمها دون حكم الله، فمن أنفذ أوامرها وعطّل أوامر الله فقد قدّمها وأخرّ أوامر الله تعالى. ويزيدك بصيرة في تقديمهم لقوانينهم على دين الله أنّ ما أبقوه مما ينسبونه للشرع في بعض أبواب الزواج والطلاق والمواريث ونحوها مما يسمّونه (بالأحوال الشخصية) قد جعلوه محكومًا لدستورهم تابعًا لقانونهم .. فلا يُنفّذ منه شيء ولا يأخذ صفته وقوته القانونية، إلاّ من نصوص القانون، فالدستور كما يقول القانونيون ـ أو كما يسميه عبيده (فقهاء القانون) مضاهاة بفقهاء الشريعة ـ هو عندهم (أبو القوانين) ، المهيمن عليها وكلّ القوانين تنبثق عن خطوطه العريضة وتستظلّ بمظلته فما يُحكّمونه بزعمهم من الشرع، لا يُحكّمونه انقيادًا وتسليمًا لله ـ ولو كان كذلك لسلّموا لحكم لله كلّه ـ ولكنّهم يحكمون به انقيادًا لنصوص القانون التي عيّنت من ذلك وحدّدت ما يوافق أهواءهم أو أحوالهم أو أعرافهم، فما عيّنه القانون من شرع الله فهو فقط المتبوع!! النافذ عندهم!! وما لم ينصّ عليه قانونهم لا ينفذ ولا يُعمل به!! فمن المُقدّم إذن؟؟ ومن التابع ومن المتبوع؟؟ وقد نصّت على ذلك صراحة المادة (103) من الدستور الأردني بفرعها (2) (مسائل الأحوال الشخصية هي المسائل التي يُعيّنها القانون) .

وسيأتي مزيدًا من البيان حول هذا.

يقول الشيخ عبد المجيد الشاذلي في كتابه (حدّ الإسلام وحقيقة الإيمان) صفحة 376 طبعة جامعة أمّ القرى: (والآن هذا الواقع قد تجاوز التشريع المطلق إلى الإقرار الصريح بحق التشريع لغير الله، بحيث أن نصوص الشريعة لا تكتسب صفة القانون عندهم لو أرادوا العمل بها إلاّ بصدورها عمن يملك حق التشريع ـ عندهم ـ تعبيرًا عن إرادته وهذا فقط هو الذي يُعطيها صفة القانون فشأنها في ذلك كشأن غيرها من العرف أو القانون الفرنسي أو آراء فقهاء القانون أو ما استقرّت عليه المحاكم، أمّا صدورها عن الله سبحانه وتعالى فلا يُعطيها صفة القانون لأنّه ـ عندهم ـ ليس مصدر السلطات وليس من حقّه التشريع) انتهى.

قلتُ: وستأتي الأدلّة على هذا من نصوص دساتيرهم.

ويقول في صفحة 377: (ليس الدستور ـ أي؛ وحده في واقع حكومات اليوم ـ هو المُقدّم على الكتاب والسُنّة بل التشريع الفرعي، بما فيه قواعد المرور وقوانين الباعة المتجولين ولوائح المحلات الصحية وغيرها، بل العرف المُستمد من عادات وتقاليد متغيّرة للمجتمعات) انتهى.

فتبصّر بواقعك ولا تغترّ بشقشقات المغفلين!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت