وهكذا كان ديدن الأمم السالفة مع رسلهم ..
فهل يُلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لِماَ نالهم، ونال المستضعفين من الأذى والمحن والبلاء، فهجروا ديارهم وتركوا أموالهم، وسفكت دماء زكية، كلُّ ذلك كان من تبعات صدعهم بالتوحيد وبراءتهم من الشرك والتنديد. وتكفيرهم لأهله. أفيُلامون عليه .. أو يُقال أنَّهم كانوا سببًا فيه .. أو يقال أنَّ هذه الفتنة وذلك البلاء"صادر عنهم أو منهم"؟!!
أم أنَّ الصواب والصدق أنهم يُمدحون على ثباتهم على الحق، ويُحمدون على صدعهم بدين جميع المرسلين .. ؟؟
ويُذمّ الكفّار والطواغيت به .. ؟!
وهكذا كل محنة وفتنة نتجت من ظلم وكفر أعداء الله وعسفهم وتنكيلهم بأهل الحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لا يُلام عليها أهل الحق ولا تُنسب إليهم، ما داموا على منهاج النبوة سائرين ..
وهذه حكمة الله تعالى وقدره النافذ في عباده، يبتلي خيرة عباده بمثل ذلك على أيدي أعدائه .. ليميز الخبيث من الطيب .. فيصطفي للجنّة أهلها المخلصين والمجاهدين من الشهداء والصديقين والصالحين .. ويختار للنّار أهلها من الجبابرة المعاندين .. والطواغيت المحاربين لدينه وشرعه ..
أمّا قول الشيخ (والواقع في هذه السنوات الأخيرة ... ) .
إلى أنْ قال: (هدر دماء كثير من المسلمين الأبرياء بسبب هذه الفتن والبلايا، وحصول الكثير من المحن والرزايا) انتهى.
تقدم الكلام على مثل هذا في ردّنا على الحلبي .. في شأن الخروج والدماء [1]
(1) واعلم أنَّ الحلبي ذكر أيضًا، في هامش فتوى الألباني صفحة (60) قولًا بتره كعادة لصوص النصوص، وقطعه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السُنّة (3/ 390) وهو قوله: (لعلّه لا يكاد يعرف عن طائفة خرجت على ذي سلطان إلاّ وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته) انتهى.
وقد بينّا لك أنَّ أعظم فساد في الوجود هو الشرك ومنه شرك التشريع وعبادة الطواغيت .. فكلام شيخ الإسلام لا يتنزّل على واقع الطواغيت الشركي اليوم، كما يفعله أهل التجهم والإرجاء.
ومن نزّله على ذلك، فقد قوّله ما لم يقله ولوى عنق كلامه، وافترى عليه!!
وإنّما يُحمل كلامه على ما كان دون الشرك من الظلم والجور ونحوه.
ولذلك لم يكن مثل هذا مانعا عند شيخ الإسلام من الخروج على التتار الذين حكموا بلاد المسلمين بياسقهم ولا خذّل به عن جهادهم .. بل قال وهو يتكلم عن المكرهين على القتال مع التتار ومن يقتل في صفهم من المسلمين: (وإذا كان الجهاد واجبا وإن قتل من المسلمين ما شاء الله، فقتل من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا) أهـ. من الفتاوى (28/ 538) .
ولو رجع طالب الحق إلى الموضع الذي اقتطع منه الحلبي تلك العبارة، لوجد شيخ الإسلام يتكلم في الخروج على الحاكم إذا فسق أو ظلم .. وليس لكلامه دخل ألبتّه في الحاكم إذا ما أظهر الكفر البواح .. وإليك نصّه لتعرف المزيد من تلاعبات الحلبي في كلام العلماء ومنهجه في بتر النصوص!!
يقول شيخ الإسلام (3/ 390) : (ومتى كان السعي في عزله مفسدة أعظم من مفسدة بقائه، لم يجز الإتيان بأعظم الفسادين لدفع أدناهما. وكذلك الإمام الأعظم، و لهذا كان المشهور من مذهب أهل السُنّة أنَّهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإنْ كان فيهم ظلم كما دلّت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأنَّ الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ولعله لا يكاد يعرف .. ) ثم ذكر الكلام الذي اقتطعه الحلبي وأورده مبتورًا.!!
ثم قال: (والله لم يأمر بقتال كل ظالم وكل باغ كيفما كان ... إلخ) من منهاج السُنّة.
فتأمل!! واحمد إلهك واسأله العفو والمعافاة من زيغ القوم وتلاعبهم بدين الله.