ولو حكم بالإسلام وهو معتقد حلِّ الحكم بغيره لكفر.
ولو حكم بالإسلام وهو مستقبح لحكم الله كفر.
فلا داع لمثل هذه الشروط التي حقيقتها حشو وتكثّر بما لا طائل تحته!!
فهذه حيدة عن الواقع، إذ كلامنا في تحكيم الطاغوت والتحاكم إليه، والتشريع مع الله فيما لم يأذن به الله، وكل هذه أعمال حكم الله عليها نفسها بالكفر، وكذّب إيمان أهلها، فلماذا تحيدون عنها وتردون الكلام إلى القلب واستحلاله واعتقاده!؟!
أليست هذه هي حقيقة التجهم والإرجاء في باب الإيمان!؟
واعلم أنّي بعد أنْ كتبت هذا الكلام تنبهت إلى أنَّ الشيخ ابن عثيمين بعد هذا الموضع بصفحات، أي صفحة (72 - 73) من (كتاب التحذير) قد علّق على كلام الألباني منتقدًا شيئًا نحو هذا .. فقال: (لكنّا(قد) [1] نخالفه في مسألة أنَّه لا يحكم بكفرهم إلاّ إذا اعتقد حِلَّ ذلك! هذه المسألة تحتاج إلى نظر لأنّنا نقول: من حكم بحكم الله وهو يعتقد أنَّ حكم غير الله أولى، فهو كافر ـ وإنْ حكم بحكم الله ـ وكفره كفر عقيدة، لكن كلامنا على العمل. وفي (ظني) ، أنَّه لا يمكن لأحدٍ أنْ يُطبق قانونًا مخالفًا للشرع، يحكم فيه عباد الله إلاّ وهو يستحله ويعتقد أنَّه خير من القانون الشرعي، فهو كافر، هذا هو الظاهر وإلاّ فما حمله على ذلك؟) انتهى صفحة (73) [2]
(1) واعلم أنَّ الحلبي قد علّق هنا في هامش الهامش!! على قوله (قد) و (في ظني) قائلًا: (تأمّل ـ وفقك الله ـ تحفّظ فضيلة الشيخ في هذا الأمر ـ في قوله(قد) وفي قوله: (في ظني) ـ وتأنيه وتحوّطه وقارنه بتسرّع بعض (الهوج) .. ) انتهى صفحة 72.
فتامل كيف يثني لتعصبه حتى على القدقدة واتباع الظن الذي ذمه الله في كتابه، ويمتدحه مع أن الكلام العلمي الدقيق الحازم ليس كذلك .. لكنها آفات التقليد والتعصب الأعمى البغيض والهوى .. فعين الهوى عن كل عيب كليلة ..
(2) واعلم بأني إنما أوردت كلام ابن عثيمين هنا لأبيّن لك أن الكلام الذي يلهث خلفه الحلبي ليس محل إجماع حتى عند المنتسبين للسلفية ومشيختها، الذين جعلهم الحلبي من قبل علماء الأمّة وأن اتفاقهم!! لا يبعد من الصواب من عدّهُ الإجماع!!
وما أوردته قط، على سبيل الاعتداد به أو الإحتجاج، إذ نحن لا يهمنا ما يقوله ابن عثيمين وأمثاله من علماء الحكومات،، ولسنا ممّن يحرص على تجميع فتاواهم في هذه الأبواب أو نستميت في تحرير مرادهم فيها ..
بل إننا والله لنتحرج من نقل وإيراد ما وافق الحق من مقالاتهم في كتاباتنا، خشية من التلبيس على الشباب وخشية من إيهام توثيقنا لعلماء الحكومات وإقرارهم كمرجعية أقامها الطواغيت للأمة.
إذ الواجب التحذير من بدعهم وضلالاتهم في مسألة الإمامة والبيعة لطواغيت الكفر، ونحو ذلك من انحرافاتهم، وتنبيه الشباب إلى ذلك لا المشاركة في التلبيس بجعلهم القدوة والأسوة ومحل الإجماع!!
فكيف إذا كان كلامهم غير منضبط وفيه من القدقدة والظنظنة ما فيه .. أو يوهم مراد الجهمية، كما هو هنا في قوله: (وفي ظني أنه لا يمكن لأحد أن يُطبق قانونا مخالفا للشرع، يحكم فيه عباد الله إلا وهو يستحله ويعتقد أنه خير من القانون الشرعي فهو كافر .. ) أهـ
-فهذا إن كان يريد به أن تحكيمه شرائع الكفر كفر بحد ذاته، وهو دليل على انتفاء الإيمان القلبي، أو دليل على كفر الباطن، فمن فعل ذلك فقد كفر ظاهرا وباطنا .. أي أنه حكم وليس قيدا للحكم فهذا لا حرج فيه، ويدل عليه قوله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} وقوله سبحانه وتعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك .. الآية} وقوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد امروا أن يكفروا به .. }
-أما إن اراد به التعليل والتقييد، بحيث (لا يكفر من حكم الطاغوت إلا إذا استحل ذلك واعتقد أنه خير من الشرع) ، فيكون مراده على ذلك؛ أن كل من طبق قانونا مخالفا للشرع فإنما فعل ذلك لأنه مستحل له معتقد أنه خير من الشرع، وهذا الإستحلال أو فساد الإعتقاد هو كفره الذي يكفر به لا تحكيمه للقوانين؛ فهذا فاسد، وقد بينا في كتابنا (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر) أن هذا التقييد والإشتراط في الأعمال المكفرة إنما هو صنيع ومسلك الجهمية الذين قالوا أن السجود للصنم والشمس أو قتل الأنبياء ورمي المصحف في القذر ونحوه من الأعمال المكفرة ليست كفرًا بحد ذاتها وإنما هي علامة على أن فاعلها يعتقد الكفر، فإن كفروه فلاعتقاده الكفر لا لتلك الأعمال ..