الصفحة 122 من 188

فتأمّل كيف كذّب الله دعواهم الإيمان فسمّى ذلك زعمًا، مع أنَّهم لم يُعلنوا الردّة صراحة .. بل كما قال سبحانه بعد ذلك: {يحلِفونَ باللهِ إنْ أردنا إلاّ إحسانًا وتوفيقًا} [1]

يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (فمن خالف ما أمر الله به ورسوله عليه السلام بأنْ حكم بين النّاس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك إتباعًا لما يهواه ويُريده، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإنْ زعمَ أنَّه مؤمن، فإنَّ الله تعالى أنكر على من أراد ذلك وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله {يزعمون} من نفي إيمانهم، فإنَّ(يزعمون) إنِّما تقال غالبًا لمن ادّعى دعوى هو فيها كاذب، لمخالفته لموجبها وعمله بما يُنافيها؛ يحقق هذا قوله {وقد أُمروا أنْ يكفروا به} لأنَّ الكفر بالطاغوت ركن التوحيد. كما في آية البقرة، فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدًا) [2] انتهى.

وأيضًا قد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوقَ صوتِ النبي ولا تجهروا لهُ بالقولِ كجهرِ بعضكم لبعض أنْ تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [3]

يقول ابن حزم: (فهذا نصٌّ جليّ وخطاب للمؤمنين بأنَّ إيمانهم يبطل جملة، وأعمالهم تحبط برفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم دون جحدٍ منهم أصلًا ولو كان منهم جحد لشعروا به. والله تعالى أخبرنا إنَّ ذلك يكون وهم لا يشعرون، فصحّ أنَّ من أعمال الجسد ما يكون كفرًا مبطلًا لإيمان فاعله جملة، ومنه مالا يكون كفرًا، لكن على ما حكم الله تعالى به في كل ذلك ولا مزيد) [4] انتهى.

قلتُ: وقد ذكر شيخ الإسلام في الصارم المسلول نحوًا من كلام ابن حزم، وذكر أنَّ حبوط العمل كاملًا إنِّما يكون مع الكفر، وذكر الأدلة على ذلك ..

(1) قال الشوكاني: في قوله تعالى {إن أردنا إلاّ إحسانًا وتوفيقًا} أي ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلاّ الإحسان لا الإساءة، والتوفيق بين الخصمين لا المخالفة لك) انتهى من فتح القدير.

(2) فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد صفحة 329

(3) سورة الحجرات: الآية 2

(4) الفصل 3/ 262

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت