"قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [1] ، فحكم تعالى حكمًا لا يبدّل، أن من رجع عن دينه إلى الكفر، فهو كافر، سواء كان له عذر خوفا على نفس أو مال أو أهل، أم لا، وسواء كفر بباطنه أم بظاهره دون باطنه، وسواء كفر بفعاله ومقاله، أو بأحدهما دون الآخر، وسواء كان طامعا في دنيا ينالها من المشركين أم لا، فهو كافر [ظاهرًا وباطنًا] على كل حال إلا المكره، وهو في لغتنا المغصوب، فإذا أكره الإنسان على الكفر وقيل له: اكفر وإلا قتلناك أو ضربناك، أو أخذه المشركون فضربوه، ولم يمكنه التخلص إلا بموافقتهم، جاز له موافقتهم في الظاهر، بشرط أن يكون قلبه مطمئنا بالإيمان، أي ثابتا عليه، معتقدا له، فأما إن وافقهم بقلبه فهو كافر ولو كان مكرهًا" [2] .
وقد حكى الشهرستاني عن المرجئة قولهم:"من قتل نبيًا أو لطمه كفر لا من أجل القتل واللطم ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض، وإلى هذا المذهب مَيْل ابن الرواندي وبشر المريسي [و (الحلبي) ومن معه كما سبق النقل عنهم] ، قالا: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان جميعا، والكفر هو الجحود والإنكار، والسجود للشمس والقمر والصنم ليس بكفر في نفسه ولكنه علامة على الكفر" [3] .
* وحاصل الكلام أن (أدعياء السلفية) لا يرون الكفر بالعمل مخرجا من الملة إلا بشرط الاعتقاد والاستحلال، وهذا شرط بدعي مخالف لعقيدة أهل السنة، ورثوه عن (الجهمية) ، وقد أمتعنا العين -في البرهان على ذلك- بنصوص أئمة العلم والسنة التي لا يستريب معها إلا مُستريب.
وإذا تبين ما سبق، فهذا أوان أن نثني عنان القلم إلى تحقيق ما وعدنا به، لما وقفنا على التقسيم غير المسبوق الذي أتى به الشيخ الألباني للاستحلال؛ لأنك إذا تبينت علة ذلك
(1) سورة النحل، الآيتان 106 - 107.
(2) سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، حكم موالاة أهل الإشراك، ضمن: مجموعة التوحيد، 1/ 309.
(3) الشهرستاني، الملل والنحل، بحاشية: الفِصَل، لابن حزم، 3/ 192.