فثبت عن ابن عمر أنه كان يصلي مع الأمراء إذا جمعوا بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ومن المعلوم أن المدينة كانت هي عاصمة الخلافة في عهد أبي بكر وعمر وعثمان ثم انتقلت العاصمة في عهد علي إلى الكوفة ثم انتقلت في عهد معاوية والدولة الأموية إلى دمشق الشام وأصبحت المدينة بعد انتقال العاصمة عنها ولاية من ولايات المسلمين يحكمها أمير تابع للخليفة، فيكون قول الراوي عن ابن عمر أنه كان يجمع مع الأمراء أي امراء بني أمية (6) وهذا دليل على أن هذا الفعل من ابن عمر بعد الخلافة الراشدة فلا يستدل به على أنه كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمع بين الصلوات بعذر المطر، لهذا السبب الذي ذكرناه ثم أنه فعل فعله ابن عمر لمعنى آخر سنُبينه إن شاء الله في المسألة الثانية.
فثبت بذلك أن الجمع بين الصلوات بعذر المطر لم يكن من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا سنته ولا سنة الخلفاء المهديين من بعده لأنه لم يأمر به و لا فعله و لا أقر به أحدًا على فعله لا هو ولا أحد من أصحابه في عهد الخلافة الراشدة. (7)
و لعل دخل القول بسنية الجمع بين الصلوات بعذر المطر على البعض , من قول بعض الفقهاء: من الرخصة: الجمع بين الصلوات بعذر المطر، ففهم بعضهم من قول الفقيه: رخصة. أنها الرخصة الشرعية الثابتة بالنص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل رخصة قصر الصلاة في السفر، فقال بعضهم فما دام أنها رخصة، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. (8) ، اذن الجمع بين الصلوات بعذر المطر سنة، هكذا قالوا، واستدلوا بعد ذلك بأقوال العلماء الذين أمروا باتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك ما سواها، فأقول لهؤلاء ان العبارات الشرعية الثابتة عن الله تعالى في القرآن والثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الشريفة يجب أن تفهم بمراد الله ورسوله لا بمراد واصطلاح بعض الفقهاء المتأخرين يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه مفتاح دار السعادة (ص 595 طبعة دار الكتب العلمية 1419 هـ) :-
فينشأ من ذلك في حقه من الإشكالات ما ينشأ، وينضاف هذا إلى عدم معرفة الخاص بخطابه ومجاري كلامه، وينضاف إلى ذلك تنزيل كلامه على الاصطلاحات التي أحدثها أرباب العلوم من الأصوليين والفقهاء وعلم أحوال القلوب وغيرهم فإن لكل من هؤلاء الاصطلاحات حادثة في مخاطباتهم وتصانيفهم فيجئ من قد ألف تلك الاصطلاحات الحادثة وسبقت معانيها إلى قلبه فلم يعرف سواها فيسمع كلام الشارع فيحمله على ما ألفه من الاصطلاح فيقع بسبب ذلك في الفهم عن الشارع ما لم يرده بكلامه ويقع من الخلل في نظره ومناظرته ما يقع وهذا من أعظم أسباب الغلط عليه مع قلة البضاعة من معرفة نصوصه فإذا اجتمعت هذه الأمور مع نوع فساد في التصور أو القصد أو هما ما شئت من خبط وغلط وإشكالات واشتمالات وضرب كلامه بعضه ببعض وإثبات ما نفاه ونفى ماأثبته والله المستعان. انتهى. وقال الشيخ سليمان بن سحمان: قال ابن القيم، رحمه الله: وقوله:"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، البينة في كلام الله، وكلام رسوله، وكلام الصحابة: اسم لكل ما يبين الحق، فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء، حيث خصوها بالشاهدين، أو الشاهد واليمين، ولا حجة في الاصطلاح، ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه، فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص، وحملها على غير مراد المتكلم منها، وقد حصل بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النصوص. انتهى. الدرر السنية مج 5 - 546.