بل ويصل التطرف في تطويب الغرب -بمعنى تحويله الى طوبى- عند بعض غلاة المدنية الى مستويات أكثر من ذلك, فبعض غلاة المدنية اذا أخذ يتحدث عن المجتمع الغربي كأنه يصف"مدينة فاضلة"تتحقق على الأرض, فتأخذك التساؤلات أين هذا المجتمع المثالي الرومانسي الخالي من النزوات البشرية الذي يتحدث عنه هذا الكاتب؟
لتكتشف بعد ذلك أن هذا الكاتب حين يتحدث عن المجتمع الغربي فإن ذهنه يمر بثلاث مراحل: ففي البداية يركِّب"الصورة المثالية"الحالمة في ذهنه, ثم ينسبها لهذا"المجتمع الغربي", ثم يحاكم المجتمعات الأخرى عن عدم وصولها لهذا المستوى الغربي المتقدم؟!
فالمجتمع الغربي يطابق المثال الذهني الطوباوي المفترض, وليس هو الواقع الغربي الذي نعرفه جغرافيًا وفكريًا, بمعنى أنه تحول الغرب الى"مقولة مرجعية"تستحضر لأغراض التقييم والقياس ومحاكمة التجارب البشرية الأخرى, أكثر من كونها للدلالة على حضارة معينة معروفة جغرافيًا وفكريًا ولها سياقاتها الخاصة.
وهذه السيرورة الذهنية تشابه الى حد كبير بعض متفقهة المدنية الذين إذا لم يستحسنوا بذوقهم المحض شيئًا قالو: هذا لاينسجم مع الشريعة. فنسبوا ذوقهم للشريعة, ثم حاكمو الوقائع على أساس مخالفتها لهذه الشريعة التي زعموها.
وحتى لايكون الكلام تجريديًا أذكر أن أحد كتاب الغلو المدني أفرد عدة مقالات يتحدث فيها عن ظاهرة"القبيلة"في المجتمع العربي والمحلي خصوصًا, وخلع عليها كل ألقاب الذم التي حملها قاموسه, ثم أخذ يتحسر بسبب أن ثقافتنا تحمل جذور العنصرية بخلاف الثقافة الغربية الخالية من هذه العنصريات.
فلاأدري عن أي غرب يتحدث هذا الكاتب؟ فالصراعات الكبرى في الثقافة الأوروبية كانت تدور حول تمايزات الأعراق الغربية, وقد أشعلت على أساسها حروب كبرى, وقامت على اساسها مشروعات دول, والولايات المتحدة التي ينظر اليها غلاة المدنية باعتبارها نموذج المساواة لم يصل الى سدة الحكم فيها طوال عمرها الرئاسي لارجل أسود ولا أنثى حتى هذه الساعة, ومع ذلك كله فإن هذا الكاتب يحاكمنا الى هذه الثقافة زاعمًا نقاءها الاثني, فهذا مما يدل على أنه ركب صورة ذهنية مثالية ثم نسبها للمجتمع الغربي ثم أخذ يحاكم المواقف اليها.
بمعنى أن الغرب تحول عند بعض غلاة المدنية الى صورة متخيلة غير موجودة هي أشبه بالمطلق والمتعالي منها بالواقعي والانساني, وعليه فيبدوا أن غلاة المدنية هم الذين بحاجة الى أنسنة تصوراتهم عن الغرب, بمعنى كشف البعد الانساني والذاتي في مضامين الفكرة الغربية, لاقراءتها باعتبارها فكرة سماوية مجردة عن السياق التاريخي.