والمعنى على هذا التقدير: (ما الأمرُ والشَّأنُ, يُزَحْزِحُ أحدًا تَعْمِيْرُهُ مِنَ العَذَابِ) [1] .
وهذا الوجه نسبه صاحب كتاب إعراب القرآن إلى الفرَّاء [2] , ونسبه ابنُ عطية، وأبو حيان إلى أبي عليٍّ الفارسيّ، على أنه تابع الكوفيين في صحةِ الإخبارِ عنْ ضمير الشأن بمفرد, إذا كان بمعنى الجملة [3] .
وقد ردَّه صاحب كتاب إعراب القرآن بقوله: (( وهذا ليس بمستوٍ؛ لمكانِ دخول الباء, والباء لا تدخل في الواجب, إلاّ أنْ يقول: إنَّ النَّفيَ سرى من أول الكلامِ إلى أوسطهِ، فجلب الباء ) ) [4] .
كذلك ردَّه ابنُ عطية [5] , ومنعه أبو البقاء [6] , والطاهر بنُ عاشور, غير أنَّه وصفه بأنَّه قريبٌ من الشَّأنِ؛ لأنَّ المقصودَ منه الاهتمامُ بالخبرِ, ولأنَّ ما بعده في صورةِ الجملةِ [7] .
أمّا الضميرُ في (بِمُزَحْزِحِهِ) فهو في جميع الأقوال, ظاهِرٌ عَوْدُهُ على (أحدهم) المتقدّم، والضمير في (أحدهم) عائد على (الذين أشركوا) [8] ، وهم اليهود [9] , وقيل: المجوس [10] .
أمّا قوله (بِمُزَحْزِحِهِ) ، فالزَّحْزَحةُ في اللغةِ: التنحيةُ والإبعاد [11] ، يقول ابن فارس: (( الزَّاء والحاء يدلّ على البعد، يُقال: زُحْزِحَ عن كذا، أي بُوعِدَ ) ) [12] ، وقال ابن منظور: (( زحزحَ، أي: نحى وبعُدَ، وزحَّ الشيءَ يزُحُّهُ زحًّا جذبهُ في عجلةٍ، زحهُ يزحُّهُ زحًّا، وزحزحهُ فتزحزحَ، دفعه ونحَّاهُ عن موضِعِهِ فتنحَّى، وباعدهُ منه ) ) [13] . وقال ابن جرير: (( أي: ما هو بمنحّيه من العذاب ) ) [14] ، فهو كقول الشاعر [15] :
وَقَالُوا تَزَحْزَحْ مَا بِنَا فَضلُ حَاجَةٍ ... إليْكَ وَمَا مِنَّا لِوَهْيِكَ رَاقِعُ
(1) - ينظر: إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج 2/ 555
(2) - ينظر: المصدر نفسه.
(3) - ينظر: المحرر الوجيز 1/ 182 والبحر المحيط 1/ 483.
(4) - إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج 2/ 555.
(5) - ينظر: المحرر الوجيز 1/ 182.
(6) - ينظر: التبيان 1/ 96.
(7) - ينظر: التحرير والتنوير 1/ 619.
(8) - ينطر: البحر المحيط1/ 482.
(9) - ينظر: المحرر الوجيز1/ 182.
(10) - ينظر: معاني القرآن للفرَّاء 1/ 63 والمحرر الوجيز1/ 182.
(11) - ينظر: معجم مقاييس اللغةِ (زحّ) 3/ 7 ولسان العرب (زحح) 2/ 468 وتاج العروس (زحح) 6/ 439.
(12) - معجم مقاييس اللغةِ (زحّ) 3/ 7.
(13) - لسان العرب (زحح) 2/ 468.
(14) - جامع البيان 1/ 475.
(15) - قيس بن الحدَّاديةِ في الأغاني14/ 154 ورواية البيت: فَقَالتْ: تَزَحْزَحْ مَا بِنَا كُبْرُ حَاجةٍ ... إليْكَ وَمَا مِنَّا لِفَقْرِكَ رَاقِعُ ... ونُسِبَ في جامع البيان1/ 475 إلى الحُطيْئةِ وليس في ديوانِهِ.