الأمر الثالث: أن القياس لا يثبت حكمًا، وإنما هو كشف لحكم كان ثابتًا للفرع من وقت ثبوته للأصل، وذلك لوجود علة الأصل فيه، وغاية ما في الأمر أن ظهور الحكم في الفرع تأخر حتى استنبطه المجتهد بنظره، فالقياس مسلك اجتهادي في حدود الكتاب والسنة.
قوله: (وهذا القياس الصحيح هو الميزان الذي أنزله الله، وهو متضمن للعدل، وما يعرف به العدل) .
أي: أن التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين هو القياس الصحيح، وهو الميزان الذي توزن به الأمور، ويقاس به بينها، فيعلم أن الفرع يوازن الأصل فيحكم بأنه نظيره، أو لا يوازنه فيعلم أنه مخالفه.
وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - أن الأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله به، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَان} [الشورى/17] وهذا الاسم يدل على العدل، وهو اسم يقتضي المدح، بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم، ولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ذمه، ولا الأمر به « (1) » .
قوله: (والقياس إنما يُعدل إليه وحده إذا فُقِدَ النص) أشار بذلك إلى أن شرط استعمال القياس هو فقد النص الدال على حكم الفرع، فإن وجد بطل القياس، ويسمى (فاسد الاعتبار) ومثال ذلك: يصح أن تزوج المرأة الرشيدة نفسها بغير ولي قياسًا على صحة بيعها مالها بغير ولي، فهذا قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النص، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي) « (2) » .
(1) انظر: مجموع الفتاوى (19/ 171) ، إعلام الموقعين (1/ 133) .
(2) أخرجه أبو داود (2085) والترمذي (1101) وابن ماجة (1881) وأحمد (4/ 394) عن أبي موسى - رضي الله عنه -، وقد اختلف في وصله وإرساله، وصححه غير واحد من الحفاظ، فانظر: إرشاد الفقيه لابن كثير (2/ 145) .