النبوية الصحيحة أصولا و فروعا. و الثالث هو الاعتماد على الاجتهاد بمعناه الواسع، و ممارسته انطلاقا من الكتاب و السنة، و العقل الصريح و العلم الصحيح. و بما أن فلسفة ابن رشد لم تقم على هذه الأسس، و إنما قامت على الأرسطية المشائية، فهي بالضرورة أرسطية و ليست إسلامية.
و أُشير هنا إلى أن للباحثيّن محمد يوسف موسى و إبراهيم تركي رأيين يجب الوقوف عندهما، فالأول يرى أن الفلاسفة المسلمين- من بينهم ابن رشد- في توفيقهم بين الإسلام و فلسفة اليونان، كان لهم دور كبير في أن صار للإسلام فلسفة إلهية و طبيعية [1] .
و قوله هذا لا يصح، لأن ما قام به هؤلاء هو أنهم أخذوا الفلسفة اليونانية عامة و الأرسطية خاصة، فشرحوها و علّقوا عليها، و حاولوا التوفيق بينها و بين الشريعة في بعض المواضيع، فجاء عملهم هذا تحريفا و تلفقا خدمة للأرسطية، و هذا أمر سبق أن بيناه في انتقادنا لابن رشد. و لا يصح أبدا القول بما ذهب إليه الباحث محمد يوسف موسى، لأن دين الإسلام له إلهياته، و طبيعياته، و منطقياته، و فقهياته، و لا يحتاج أبدا إلى فلسفة هؤلاء الأرسطية. علما بأن الإسلام كله حق و نور و ليس فلسفة، و إذا سلمنا بإمكانية وجود فلسفة إسلامية، فليست هي الفلسفة التي قال بها المشاؤون كالفارابي، و ابن سينا، و ابن رشد، فهي فلسفة أرسطية مشائية، و لا تكون إسلامية إلا إذا قامت على الأسس الثلاثة المذكورة آنفا.
و أما الباحث الثاني-أي إبراهيم تركي- فذكر أن ابن قيم الجوزية وصف ابن رشد بأنه فيلسوف الإسلام، و هذه (( التسمية كانت مرفوضة لدى ابن تيمية، و كأن ابن القيم لا يُكفر ابن رشد كما فعل غيره. بل يعتبره مفكرا مُسلما خاض في مسائل الفلسفة ) ) [2] .
و أقول: إن إطلاق اسم فلاسفة الإسلام، و فيلسوف الإسلام على الفلاسفة المسلمين ليس جديدا، ولا خاصا بابن القيم و عصره، فهو اسم قديم، استعمله أهل العلم قبل زمانه، فاستعمله أبو الفتح الشهرستاني (ق: 6 ه) في كتابه الملل و النحل [3] ،و ابن رشد في كتابه تهافت التهافت [4] .
و ابن القيم لم يخص ابن رشد بتلك التسمية، فقد أطلقها على أبي البركات البغدادي (ق: 6 ه) ، و على الفلاسفة المسلمين، فوصفهم بأنهم فلاسفة الإسلام [5] . لكنه لا يقصد بذلك أن فلسفتهم إسلامية، و أنه راضٍ عنها و عنهم. و إنما يقصد فلاسفة عصر الإسلام، و فلاسفة العصر الإسلامي، و بمعنى آخر الفلاسفة الذين ظهروا في تاريخ الإسلام. و ليس المقصود بذلك أنهم فلاسفة دين
(1) محمد يوسف موسى: بين الدين و الفلسفة، ص: 224.
(2) إبراهيم تركي: أزمة الرشدية العربية، ص: 32.
(3) ج 2 ص: 60، 118.
(4) ص: 139، 142.
(5) ابن قيم الجوزية: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ج 2 ص: 258، 259.