وعندما طاب لي عند الشيخ المقام، ونسيت بحديثه الهموم والآلام، قال الشيخ لوالدي: ألا ترى أنّني قد وفيت بوعدي كلّه، وأدّيت الرسالة التي تحمّلتها خير أداء .. فدونَك ولدك على أحسن ممّا كان .. إنّه يريدك الآن أن تزوّجه .. فشكر والدي الشيخ أبلغ الشكر، وأقلّ ما يجب .. وعدت مع والدي إلى البيت، وقلبي معلّق بالشيخ ومجالسه وحديثه ..
كانت فرحة الأهل والأصحاب لا تقدّر ولا تُوصف .. وأحبّ والدي أن يترجم هذه الفرحة، ويقدّم الشكر للشيخ الجليل، الذي يؤثر الخفاء دائمًا على الظهور، فأقام حفلة كبيرة، دعا إليها عددًا لا يقدّر من الناس: من الأقارب والأصدقاء، والمعارف الكبراء، والأغنياء والفقراء .. وكان مدار الحفل كلّه شكر الله أوّلًا، على شفائي ممّا ألمّ بي، ثمّ تقديم الشكر أمام الناس للشيخ على ما قدّم لي من المعروف .. وكانت المفاجأة للناس جميعًا عندما قدّم والدي صكّ بيت هديّة منه للشيخ على معروفه معي، وجميل صنعه .. وكان والدي يقول قبل ذلك ويكرّر القول:"والله لو طلب الشيخ منّي جميع أموالي لقدّمتها له فداء ولدي .."وأسقط في يد الشيخ أمام الناس .. وهو المتعفّف الذي لم يقبل هديّة من أحد .. ولكنّ والدي استبق كلّ احتمال، وهو الذي يعرف الشيخ حقّ المعرفة، فأقسم على الشيخ، وسأله بالله ألاّ يردّ هديّته .. وعقدت المفاجأة فيما يبدو لسان الشيخ عن الكلام بعض الوقت .. وهو يسمع القسم بالله، والسؤال به، فلم يدر ما يقول، ثمّ فاجأ الشيخ الجميع بما لم يخطر لأحد على بال .. فقال أمام الناس: لقد فاجأني والله أبو حسن فيما فعل، ولم يخطر ذلك على قلبي بحال .. ولن أقبل منه هذه المفاجأة إلاّ بمثلها .. وإنّي أعلن لكم في هذه الليلة أنّني أقدّم ابنتي أسماء هديّة لابنه حكمت .. وهي خير فتاة فيما أحسب تسعد أيّامه،