أن يكون صابرًا على المكاره، والصبر من آكد المنازل في طريق المحبة وألزمها للمحبين ، وهم أحوج إلى منزلة الصبر من كل منزلة، فإن قيل كيف تكون حاجة المحب إليه ضرورية مع منافاته لكمال المحبة ، فإنه لا يكون إلا مع منازعات النفس النفس لمراد المحبوب؟ قيل: هذه هي النكتة ولب الموضوع والقصد والفائدة التي لأجلها كان الصبر من آكد المنازل في طريق المحبة وأعلقها به وبه يعلم صحيح المحبة من معدومها وصادقها من كاذبها فإنه بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يعلم صحة المحبة ومن هنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن الحقيقة ولم يثبت إلا الصابرون ، فلولا تحمل المشاق وتجشّم المكاره بالصبر ماثبتت صحة الدعوة وقد تبين أن أعظم الناس محبة لله أشدهم صبرًا وهذا ماوصف الله به أولياءه وخاصة فقال عن عبده أيوب لما ابتلاه { إنا وجدناه صابرًا} فهذه العلاقة بين الصبر والمحبة { نعم العبد إنه أواب} ، وأمر أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه وأخبر أن الصبر لا يكون إلا لله ، فيصبر لله و الصبر لا يكون إلا بالله { واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولاتكُ في ضيق مما يمكرون} .
أن لا يؤثر عليه شيئًا من المحبوبات، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما { أنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: أنت أحب إلي من كل شيءحتى نفسي، قال: الآن ياعمر} ، إذًا من العلامات أن لا يقدم العبد شيئًا على الله لا ولده ولا والده ولا الناس ولا أي شهوة، ومن آثر على الله شيئًا من المحبوبات فقلبه مريض، و إذا كان العبد مؤثرًا ما أحبه الله على ما يحبه هو فيكون عند ذلك مقاومًا لداعي الهوى معرضًا عن الكسل مواظبًا على الطاعة متقربًا بالنوافل فيظهر الطاعة ولذلك قال الشاعر:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه *** هذا محال في القياس بديع