الصفحة 22 من 29

ومن المهم إزالة لبس يقع فيه كثير من الناس وهو الربط الإيجابي بين دور الدولة أو وظائفها وبين القطاع العام، بمعنى أن قوة هذا معناها قوة ذاك، والعكس بالعكس، بل إن الأمر ليصل عند البعض إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث يرى إنهما مترادفان، مفادهما واحد، وكل ذلك غير صحيح. (37) فالقطاع العام ليس هو الدولة وليس هو كل دور أو وظائف الدولة، وإنما هو مجرد مشروعات عامة تقيمها الدولة أو لا تقيمها، توسع فيها أو تقلل منها. وقد يكون توسع الدولة فيها على حساب قوة الدولة ومتانة دورها، وقد يكون في تقليل الدولة منه مزيدًا من القوة والفعالية للدولة.

والأمثلة المعاصرة على ذلك لا تحتاج إلى بيان، والأمثلة التاريخية ظاهرة بارزة، فأين كانت قوة وضخامة حجم القطاع العام إبان الدولة الإسلامية في عهد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أو عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، أو عهد المنصور أو الرشيد، ومع ذلك كانت هذه الدول من القوة والفعالية بمكان. نخلص من ذلك إلى أنه يمكن تقليص القطاع العام دون أن يكون في ذلك مساس بدور الدولة وفعاليتها وقوتها.

(ب) أن تتم الخصخصة بالأسلوب الأمثل. من حيث التقويم وأسلوب التصرف وإتاحة الفرصة أمام الجميع، وعدم وجود شائبة محاباة أو رشاوي أو هدايا، فهي أموال عامة وهي أموال الناس كافة وما الدولة فيها إلا وكيلة عنهم، كما قال بحق ابن تيمية رحمه الله. (38)

(جـ) أن يتم التصرف في الأموال الناتجة عن الخصخصة بأقصى درجة من الرشادة المرتكزة على الكفاءة والعدالة معًا.

(د) ألا يترتب عليها تضييع حق للأمة في الحاضر أو المستقبل. وألا يتولد عنها وضع اقتصادي مناف لمبادئ الاقتصاد الاسلامي، مثل قيام احتكارات أو تفاوت واسع في التوزيع، أو سيطرة الأجانب على مواردها، أو غير ذلك مما يهدد مصالح الأمة، فالخصخصة في الأول والأخير ليست هدفًا أو غاية، وإنما هي وسيلة أو أسلوب لتحقيق هدف، يتمثل في توفير مصالح الأمة.

إن هذه الضوابط وغيرها تستهدف جعل عملية الخصخصة تحوز المشروعية الشرعية والاقتصادية والاجتماعية، كما تحوز القبول العام من قبل أفراد المجتمع، حتى لا يتعرض المجتمع لهزات عنيفة تقوض استقراره الاجتماعي والاقتصادي، بل والسياسي. ولعل هذا يذكرنا بما جره سوء فهم بعض الفئات لما قام به سيدنا عثمان من اقطاعات لبعض الأفراد من ويلات جسام على المجتمع الاسلامي ومسيرته الحضارية.

أما الخصخصة بمفهومها الواسع والذي يفيد، كما سبق، التحول إلى نظام السوق، بحيث يكون السوق هو المهيمن على الحياة الاقتصادية، وقد يمتد إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت