ولست منه، ولا يرد عليّ الحوض، ومن غشي أبوابهم أو لم يغش، فلم يصدّقهم في كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه وسيرد عليّ الحوض" [1] ."
ويخصص ابن خلدون فصلًا كاملًا في مقدمته، يبيّن فيه أن وبال الظلم لا يقع فقط على الذين يمارسونه، وإنما يطال الدولة نفسها من حيث هي كيان سياسي، ويؤثر على استمرار أو عدم استمرار الاستقرار فيها، ويهدد استقلالها وازدهارها، كما يؤثر الظلم بشكل سلبي على العمران البشري، الذي لا يقوم ولا يتقدّم بدون استقرار يقوم على العدل [2] .
لم تعد ظاهرة الاقتصار على (النخبة) محصورة في إطار الأنظمة، سواء كانت هذه الأنظمة وراثية أم انتخابية، حتى في المجتمعات الديمقراطية الغربية، تبقى الأعمال السياسية محصورة داخل إطار النخبة إلى حد بعيد، والمراقب للحركة الإسلامية المعاصرة يجد عناصرها من شريحة المثقفين لاسيما الجامعيين الذين سرعان ما ينتقلون إلى الحياة العملية ويصبحون بالتالي نخبة تكنوقراط في مجتمعاتهم كالأطباء والمهندسين والحقوقيين والمدرسين الجامعيين، ونظرة سريعة إلى انتخابات النقابات التي تحقق فيها الحركة الإسلامية نجاحات ملفتة للنظر تراها جميعًا من نقابات مهن (النخبة) .
وقد يكون اهتمام الحركة الإسلامية في مطلع هذا القرن بالنخبة المثقفة في المدارس والجامعات مبررًا في حينه باعتبارهم ضحية مستهدَفة للفكر الغربي وأطروحاته السياسية والاجتماعية والثقافية المخالفة تمام المخالفة للتصورات الإسلامية في مجال العقيدة والعبادة والأخلاق والمجتمع والتشريع، وقد أراد الاستعمار السياسي إيجاد جيل من أبناء البلاد يحمل من الأفكار ما يمد في عمر الاستعمار ويمكنه من السيطرة لأمد بعيد على قدرات الأمة ومواردها، فكان -والحالة هذه- من أولوية الحركة الإسلامية أن تتوجه لإنقاذ الضحية المستهدفة، ولكن هل يصح الاستمرار في نفس الخط بعد تبدل الظروف وحاجة الأمة إلى كل عناصرها، وشرائحها كلها اليوم مستهدفة؟
وتظهر المشكلة بشكل أوسع عندما تطلع على برامج التربية والتأهيل الذي يدرسه كل منتمٍ للحركة الإسلامية، فهو برنامج مثقفين وليس برنامج عامّة، ويشعر (الأخ) العامل أو المزارع بحرج شديد وهو قاصر عن فهم ما يفهمه زملاؤه داخل الحلقة أو الأسرة، وهو شعور يبني حواجز كثيرة، وبعض الأفراد قد يكون أميًا لا يقرأ ولا يكتب [3] .
إن تضييق إطار المشاركة الجماهيرية، لدى الأنظمة والتنظيمات، والاقتصار على النخبة يعني انكماش الوعي السياسي لدى قاعدة واسعة من أبناء الأمة، ويؤدي - شئنا أم أبينا - إلى حالة أقرب ما تكون إلى العزلة السياسية نتيجة التميز النخبوي، مما يجعل الأطروحات السياسية في واد وغالبية القوى الشعبية في واد آخر.
ويبقى على الحركة الإسلامية وعلى الأنظمة أن تعيد النظر في استراتيجية التعامل مع القاعدة الشعبية الواسعة وأن تولي هذه المسألة اهتمامًا يتناسب مع حجمها داخل إطار الوطن الواحد، إذا أردنا للبرامج السياسية وأطروحاتها أن تقف ثابتة في وجه رياح التأثير والتغيير العاتية وتحقق المأمول منها.
(1) الترمذي، كتاب الجمعة، رقم 558. وفي رواية النسائي:"ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم"إلخ، البيعة، رقم 4137. ومثله في أحمد، باقي مسند الأنصار، رقم 22174.
(2) ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: درويش الجويدي، صيدا-بيروت، المطبعة العصرية، ط 2، 1416 هـ/1996 م، ص 263.
(3) لا تقل نسبة الأمية في العالم العربي عن 40%.