من الكبر عتيًا، وقد بشرهما الله تعالى بواسطة ملائكته الكرام عليهم السلام بغلام حليمٍ عليمٍ - مَعْلمًا من المعالم التي ينبغي أن يتوقف عندها المؤمن مستلهمًا لأسرار الحكمة الإلهية في بعض جوانبها الظاهرة في هذا الرزق لإبراهيم - عليه السلام - ولزوجته في زمان ومكان ارتبطا [1] بهذا العطاء ارتباطًا وثيقًا؛ فنبي الله إبراهيم - عليه السلام - قد بلغ - فيما ذكر المفسرون [2] - من العمر مائة وعشرين سنة، بينما بلغت زوجته في ذات الوقت تسعين سنة [3] ، وكانت عقيمًا لا تلد، ومع ذلك فقد رزقهما الله تعالى بغلام حليم، وتمت بشارتهما بذلك بواسطة الملائكة الكرام - عليهم السلام - وهو أمر يدعو بشريًا وظاهريًا إلى الاستغراب، حتى إن إبراهيم عليه السلام - وهو خليل الله - قال للملائكة الكرام بعد بشارتهم له: ? ? ? ? ? ? [4] وزوجته: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [5] ، ولعل سائلًا يسأل: ما فائدة الولد لوالديْن قد بلغا من العمر عتيًا؟ وما فائدتهما والحالة هذه لوليد صغير يحتاج إلى جهد وتفرغ وقوة في تربيته والاهتمام به؟ إلى غير ذلك من أسئلة قد تثار من زاوية البشرية المجردة التي تعجز عن إدراك بعض الحكم في ذلك.
والجواب على ذلك وسواه يأتي في منتهى اليسر والبساطة من خلال دائرة الإيمان والتسليم لله تعالى فيما اختار وأراد، فلله تعالى في ذلك حكمة بالغة فهو سبحانه وتعالى: ? ? ? ? ? ? ? [6] وهو جل جلاله يخلق ما يشاء على الصورة التي يشاء، في الزمان الذي يشاء، والمكان الذي يريد، وهو سبحانه يعلم ما يصلح أمر خلقه من الناس فيما يقدره لهم من أرزاق زمانًا ومكانًا، ويعلم ما ينصلح به حالهم في ذلك عاجلًا وآجلًا، وهو عزت قدرته له الحكمة البالغة والعزة الشاملة والقدرة المطلقة. وفي ساحة الإيمان والتسليم لطلاقة القدرة الإلهية، وللحكمة الربانية البالغة ينشرح الصدر، ويطمئن القلب، وتسكن النفس إلى أن ما يقدره سبحانه ويريده هو الخير، فهو جل وعلا علاَّم الغيوب، وإن ما يبدو في موازين البشر من الخوف - من الشيخوخة وغيرها - لا وزن له عند الله تعالى، فهو لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ? ? ? ? ? ? [7] وعلى ذلك فإن الرؤية واضحة في حس المؤمن - صافية لا غبش فيها ولا قلق - وهو يتدبر قصة إبراهيم - عليه السلام - وزوجه، فيخرج من ذلك بنتيجة إيمانية قوية، وهي: أن الزمان والمكان اللذين اختارهما الله تعالى لرزق إبراهيم - عليه السلام - وزوجته بهذا الغلام هو ما ينصلح به حالهما، لا قبل ذلك ولا بعده، ولذلك جاءت مقالة الرد من الملائكة الكرام عليهم السلام على استغراب زوجة إبراهيم - عليه السلام - قوية حاسمة ? ? ? ? [8] ، وبيانًا بأن الأمر وقع في دائرة الحكمةِ البالغةِ، والعِلْم المحيطِ لله سبحانه وتعالى، وهو جل وعلا يعلم الغيب، والخلق لا يعلمون وهو سبحانه يعلم ما يصلحهم، و ما يصلح لهم، وهم لا يعلمون.
ومعلوم أن قصة إبراهيم - عليه السلام - جاءت مذكورة في سورة الذاريات بعد الحديث عن قضية الرزق [9] ، والله سبحانه جعل الرزق مرتبطًا بأسباب قدرها رحمة بخلقه؛ وربما ظن ظان أن الأسباب هي كل شيء في أمر الرزق، فجاءت قصة إبراهيم - عليه السلام - لتهدم ذلك الظن من أساسه،
(1) الفاعل يعود على الزمان والمكان.
(2) انظر على سبيل المثال: تفسير القرطبي (9/ 70) .
(3) انظر المصدر السابق.
(4) سورة الحجر: (54) .
(5) سورة هود: (72) .
(6) سورة القصص: (68) .
(7) سورة يس: (82) .
(8) سورة الذاريات: (30) .
(9) وسيأتي الحديث عن آية الرزق في سورة الذاريات مفصلًا إن شاء الله.