للجهاد عند المسلمين مكانة كبيرة؛ فهو ذروة سنام الإسلام، وارتبطت عزة المسلمين به في كل العصور، ولقد امتازت فلسفته في الإسلام عن الديانات والمذاهب والأفكار الأخرى سواء كانت سماوية أو أرضية، فقد ربطه القرآن الكريم والسنة النبوية بأنه"في سبيل الله"، ومعنى ذلك أنه ليس لإشباع رغبات بشرية دنيئة، أو للتشفي وتفريغ مشاعر إنسانية ذميمة، أو تحقيق مصالح شخصية فاجرة، وإنما هو لبلوغ مقاصد شرعية نبيلة، وتحقيق أهداف إنسانية عظيمة، حددها الشارع الحكيم، ونصبها أمام القائمين به؛ وذلك لكي يكون"في سبيل الله"لا في سبيل غيره، ولتكون كلمة الله هي العليا، وتسعد البشرية في ظلال الإسلام العظيم.
وحين نتحدث عن مقاصد الجهاد هنا لا نعني به الجهاد بمفهومه الشامل الذي يشمل جهاد النفس وجهاد المنافقين وجهاد الشيطان، والأنواع الأخرى من الجهاد التي ذكر العلماء منها أكثر من ثلاثة عشر نوعا، وإنما نعني به معناه المباشر وهو القتال.
وقد عرف العز بن عبد السلام مقاصد الجهاد فقال:"فالمقصود ما شرع الجهاد لأجله، والجهاد وسيلة إليه" [1] .
وعند التأمل في أحكام الجهاد وتدابيره الشرعية التي شرعها الإسلام بنصوصه الشرعية الشريفة، وبالتطبيق العملي لهذه النصوص وجدنا أن الله شرعه لمقاصد وأوجده ليتحقق بتطبيقه آثار، يمكن عند التأمل فيها أن نقسمها إلى قسمين: مقاصد وآثار لازمة أو فردية، ومقاصد وآثار متعدية أو جماعية.
ونعني بالمقاصد الفردية أو اللازمة التي تتحقق للفرد وتعود على ذاته ولا تروم غيره، أما المقاصد الجماعية أو المتعدية فهي التي يتجاوز نفعها الفرد إلى المجتمع والأمة، والبشرية كلها باعتبار الإسلام دينا للإنسانية جميعا.
وسوف نتناول المقاصد والآثار الفردية والمقاصد والآثار الجماعية، والله المستعان.
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1/ 106. تحقيق: محمود بن التلاميد الشنقيطي. دار المعارف بيروت - لبنان.