فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 41

يستند الاتجاه الذي لا يجيز الانسحاب بقرار منفرد إلى حجتين أساسيتين:

1 -القواعد المعترف بها بصفة عامة في قانون المعاهدات: فالأنظمة الأساسية للمنظمات الدولية تتضمنها مواثيق دولية أو معاهدات، وما دام ليس هناك أسس سليمة على خلاف تلك القواعد العامة، فإن قانون المعاهدات هو الذي يحكم سلامة تلك النظم الأساسية للمنظمات الدولية وصحة سريانها (المادة الخامسة من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات) .

ولا يجوز للدول أن تتخلى عن التزاماتها بمقتضى المعاهدات عن طريق قرار منفرد، ما لم يكن من المؤكد أن أطراف المعاهدات قد قصدوا الترخيص بالانسحاب، أو أن يكون من طبيعة المعاهدة ما ينبئ ضمنا عن جواز التخلي عن المعاهدة أو الانسحاب منها (مادة 56 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات) .

ويؤكد هذا الاتجاه أنه ليس هناك أساس كاف لقبول قاعدة أخرى، خلاف القواعد المنصوص عليها في النظام الأساسي للمنظمة الدولية ذاتها. وإذا وجد النص كان مفضلا على محاولة إيجاد سبب ضمني يجيز حق الانسحاب واستنادا لطبيعة النظام الأساسي.

2 -الممارسات العملية: إن مواقف غالبية الدول الأعضاء في المنظمات الدولية تنبئ عن قوة معارضة الانسحاب بقرار من جانب واحد، ويتضح ذلك من خلال الممارسات التالية:

1 -ففي عامي 1949، 1950 أخطرت دول أوربا الشرقية (الاتحاد السوفييتي، أوكرانيا وروسيا البيضاء، بلغاريا، رومانيا، ألبانيا، تشيكوسلوفاكيا، المجر، بولندا) الأمانة العامة لمنظمة الصحة العالمية بانسحابها، وفي 6 مايو سنة 1950 انسحبت الصين وحددت موعدا لانسحابها في اليوم التالي أي 7 مايو سنة 1950، ونظرا لعدم وجود نص بالانسحاب في النظام الأساسي للمنظمة العالمية، أعلنت تلك الدول أن انسحابها سار من التاريخ التالي لإعلانها، ولكن بعد تطبيق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات أصبح الانسحاب على هذا النحو غير ميسور لمخالفته لنص المادة 56/ 2 والتي تقضي بوجوب الإخطار المسبق قبل سنة على الأقل -كذلك أنهت كل من تشيكوسلوفاكيا، والمجر، وبولندا عضويتهم في «اليونسكو» اعتبارا من آخر عام 1952.

ولم تعترف أي من منظمة الصحة العالمية أو منظمة اليونسكو بهذه الانسحابات؛ لأنها من وجهة نظر المنظمتين إن الانسحاب مستحيل، طالما أن النظام الأساسي لكليهما لا يتضمن نصًا في هذا الصدد، وأن عضوية تلك الدول مستمرة وقد أدى ذلك إلى صعوبات جمة؛ لأن المنظمات لا تملك أية وسيلة تدفع بها الدول المنسحبة إلى التعاون بالرغم من عدم اعترافها بهذا الانسحاب، فضلًا عن أن المساهمات المستحقة على تلك الدول تزداد وتتراكم، وربما من الصعب إيجاد مخرج في مثل هذه الحالة. وقد انتهت منظمة اليونسكو في 8 ديسمبر سنة 1954 إلى إيجاد نص في نظامها الأساسي لتجعل الانسحاب ممكنا، وأضافت فقرة سادسة للمادة الثانية تنظم عملية الانسحاب [1] ، ولم تذهب منظمة الصحة العالمية إلى حد تعديل نظامها الأساسي للسماح بالانسحاب، واعترفت بالحاجة إلى اتخاذ إجراء مع الدول التي أنهت تعاونها مع تلك المنظمة. وقد عادت بعض الدول المنسحبة وأعلنت رغبتها في استئناف مساهمتها النشيطة مع المنظمة، ففي عام 1952 عادت الصين الوطنية ومنحتها المنظمة التسهيلات المالية التي طلبتها لسداد مساهمات المتأخرة [2] ، وكذلك في عام 1955 أعرب الاتحاد السوفييتي في المجلس الاقتصادي، والاجتماعي عن نيته في استئناف تعاونه مع منظمة الصحة العالمية، ودرست المنظمة رغبة الحكومة السوفيتية ووافقت على تقديم تسهيلات في سداد مساهماتها المتأخرة [3] .

(1) قبل إدراج هذا النص كانت كل من تشيكوسلوفاكيا، والمجر، وبولندا قد أعلنت في تواريخ متتابعة خلال عام 1954 أنها عدلت عن انسحابها، وأنها ستشارك جزئيا في نشاط المنظمة، وطالبت اليونسكو بالمساهمات المتأخرة على تلك الدول، وحصلت بالفعل على جزء من هذه المتأخرات.

يراجع في ذلك:

(2) انظر تقرير المنظمة عن دورة انعقادها الخامسة رقم 42 - ملحق 7.

(3) انظر محاضر دورة الانعقاد السابعة عشر للمؤتمر العام للمنظمة، الوثائق الرسمية رقم 48، 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت