الصفحة 67 من 86

له: إلى أين؟ قال: إلى مكة شرفها الله تعالى لعلي ممن أكون إذا التجأ إلى الحرم استحق مراعاة الذمم.

قال مالك: ففارقني ومضى، فتعجبت من وقوع الموعظة منه موقعها، وما تأجج بين جنبيه من نار التيقظ والإنابة، وما حصل عليه من صدق القبول وحسن الاستماع [1] .

فحي على جنات عدن فإنها

منازلك الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبي العدو فهل ترى

نعود إلى أوطاننا ونسلم [2]

أخي ... طال بنا الأمل ... ومضى بنا التسويف ... فماذ ننتظر لنتوب؟

وحالنا وتسويفنا حكاه أبو حازم بقوله:

نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت [3] .

لهونا الأيام حتى تتابعت

ذنوب على آثارهن ذنوب

فياليت أن يغفر الله ما مضى

ويأذن لي في توبة فأتوب [4]

قال يونس بن سليمان البلخي: كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف، وكان أبوه كثير المال والخدم والجنائب والبزاة، فبينما إبراهيم في ذلك اليوم وهو على فرسه يركضه، إذا بصوت من فوقه ... يا إبراهيم ما هذا العبث؟ {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} . اتق الله وعليك بالزاد ليوم الفاقة.

قال: فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة [5] .

وقال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟! تقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فمن عرف أنه لله عبد وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، ومن علم أنه موقوف فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول، فليعد للسؤال جوابًا، فقال الرجل: فما الحيلة؟

قال: يسيرة ... تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى وما

(1) العاقبة: 72.

(2) عقود اللؤلؤ: 33.

(3) أدب الدنيا والدين: 109.

(4) حلية الأولياء: 9/ 220.

(5) صفة الصفوة: 4/ 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت