فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 44

من الحقوق ما يجتمع فيه الحقان، وهذا القسم قد يكون المغلب فيه حق الله، وقد يكون المغلب فيه حق العبد، وفي بيان هذا التقسيم أذكر بعض ما قاله العلماء.

قال القرافي [1] : (( فحق الله أمره ونهيه، وحق العبد مصالحه ) ).

وذكر ابن القيم رحمه الله حدًا للتفريق بينهما فقال [2] : (( والحقوق نوعان: حق الله، وحق الآدمي؛ فحق الله لا مدخل للصلح فيه، كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها، وإنما الصلح بين العبد وبين ربه في إقامتها، لا في إهمالها، ولهذا لا يقبل بالحدود، وإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع، وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها ) ).

وفي تيسير التحرير [3] : (( وهو-أي: حق الله الخالص- ما يتعلق به النفع العام من غير اختصاص بأحد، نسب إلى الله تعالى لعظم خطره، وشمول نفعه، كحرمة البيت وحرمة الزنا ) )ثم قال في بيان حق العبد الخالص [4] : (( وهو ما يتعلق به مصلحة خاصة، كحرمة مال الغير، ولذا يباح بإباحة مالكه، ولا يباح الزنا بإباحة المرأة ولا بإباحة أهلها، قيل: ويرد عليه الصلاة والصوم والحج، والحق أن يقال يعني بحق الله: ما يكون المستحق هو الله، وبحق العبد ما يكون المستحق هو العبد ) ).

ورجح في تهذيب الفروق [5] أن حق الله هو متعلق الأمر لا نفس الأمر، وقسم حق العباد إلى ثلاثة أقسام فقال: (( الأول: حقه على الله، وهو ملزوم عبادته إياه، وهو أن يدخله الجنة ويخلصه من النار-قلت: ومعلوم أن هذه التسمية مصدرها ما جاء في الحديث، وتسمية ذلك حقًا اتباعًا للحديث ولكنه لا يعني أن هذا أمر يجب عليه من حيث العقل، لأن الله لا مكره له، ولكنه أوجب ذلك على نفسه تكرمًا- والثاني: حقه في الجملة، وهو الأمر الذي يستقيم به في أولاه وأخراه من مصالحه، والثالث: حقه على غيره من العباد، وهو ماله عليهم من الذمم والمظالم ) )ا. هـ

أما ابن رجب فقد قسم في القاعدة الخامسة والثمانين حقوق العباد إلى خمسة أقسام، هي: حق الملك، وحق التملك، وحق الانتفاع، وحق الاختصاص، وحق التعلق لاستيفاء الحق مثل تعلق حق المرتهن بالرهن [6] .

وقد جمعت هذه التقسيمات مفاهيم يمكن الاستناد إليها في تحديد مفهوم الحق بالنسبة للعبد، فإذا تبين المراد بحقوق الله كما ذكر العلماء، وأن أعظم حق لله متعلق أمره ونهيه بعبادته، وأعظم ذلك توحيده، ولا يعني ذلك أنه ينتفع بذلك أو تتعلق به حاجة تعالى الله عن ذلك، وإنما الإضافة لما يتعلق بهذا الحق من عموم نفع العباد، ولتشريف ما عظم خطره وقوي نفعه [7] .

ومعيار إثبات هذه الحقوق ما ذكره ابن القيم رحمه الله من أنها لا مدخل للصلح فيها ولا تقبل الإسقاط [8] .

وأما حق العبد فهو ما يستحقه وتتعلق به مصالحه الخاصة، ومعيار ثبوتها له ما ذكره ابن القيم رحمه الله أيضًا من أنها تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها [9] وبهذا يمكن تحرير مفهوم الحق بأنه ما ثبت للعبد شرعًا، سواء كان الحق ماديًا أم معنويًا.

وإنما أطلت في تقرير الحق لأنه يبنى على هذا التحرير تحديد الحكم في موضوع الحرية الدينية على اعتبار أنه حق من الحقوق، والحكم على الشيء فرع عن تصوره [10] ، وظاهر من هذا التصور أن الحق يقوم على أركان:

1 -المُسْتَحَق، وهو الشيء الثابت مالًا كان أو غير مال (محل الحق) .

2 -صاحب الحق أو المستَحِق، وهو من له الحق.

3 -من عليه الحق، وهو إما أن يكون واحدًا أو متعددًا [11] .

أما مصدر الحق فمن المتقرر أنه بالنسبة للمسلمين لا يحيد عن الشرع، باعتبار أن المسلم محكوم بحكم الشرع في جميع تصرفاته، ومصادر الحقوق كلها هو شريعة الله، فما أثبته الشرع حقًا فهو حق، وما عداه فليس بحق، والحق بهذا الاعتبار أثر من آثار الحكم الشرعي المستمد من خطاب الشرع [12] .

وبالنظر في مبدأ حقوق الإنسان في الواقع الدولي نجد أنه يستمد من مصادر مختلفة أبرزها مصدران غير المصدر الشرعي الذي يحكم دول المسلمين، فهناك المصدر الدولي، ويشمل المواثيق الدولية العالمية المنشأ والتطبيق، وتنقسم بدورها إلى مواثيق عامة ومواثيق خاصة، وهناك المصدر الإقليمي الوطني ويشمل الدساتير والتشريعات الوطنية التي تتضمن نصوصًا تكفل حقوق الإنسان [13] ، ولكن المصدر الدولي والوطني حينما يتأملها الباحث يجد أنها في جملتها بغض النظر عن تفاصيلها تستند إلى دساتير ولوائح ونظم تتفق مع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من نصوص تكرم الإنسان وتصون حقوقه، ومن هنا فإنه يمكن النظر إليها على أنها قيم مشتركة يتم التعامل معها في صورة العلاقات الدولية بما لا يتعارض مع نصوص الشرع، وسيأتي بيان ذلك مفصلًا.

المسألة الثانية

في المراد بحقوق الإنسان

قد مر بيان مفهوم الحق، ومصدر الحق، وأرى لزامًا أن أعرج على مفهوم حقوق الإنسان باعتبار أن الحرية الدينية جزء من هذه الحقوق، وكما هو معلوم فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو أقدم وأشهر آلية من آليات القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو وثيقة مرجعية هامة تأريخيًا في مجال الحقوق، وقد سبقته محاولات كثيرة في هذا المجال، ويمكن القول بأن فكرة حقوق الإنسان الشائعة اليوم محليًا وعالميًا موجودة منذ القدم، وتضمنتها الشرائع والرسالات السماوية بما جاء فيها وتعد أصلًا لها، ولكنها لم تظهر بشكل رسمي معلن إلا في القرن الثالث عشر الميلادي (السابع هجري) ، والإعلان مكون من ثلاثين مادة تتطرق إلى مختلف أنواع حقوق الإنسان، وقد صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948 م [14] ، ولكن لا يعني هذا سبقًا في هذا

(1) الفروق 1/ 140، الفرق 22.

(2) إعلام الموقعين 1/ 108.

(3) لمحمد أمين المعروف بأمير باد شاه 2/ 250.

(4) المرجع السابق.

(5) تهذيب الفروق لمحمد علي بن حسين المكي المالكي مع الفروق 1/ 157.

(6) انظر: تقرير القواعد، وتحرير الفواند (القواعد) 2/ 259 - 282.

(7) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 18/ 9.

(8) انظر: إعلام الموقعين 1/ 108.

(9) المرجع السابق.

(10) شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير لابن النجار الفتوحي 1/ 50.

(11) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 18/ 12.

(12) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 18/ 11، وإرث الحقوق في الفقه الإسلامي 1/ 59.

(13) انظر: قانون حقوق الإنسان، مصادره وتطبيقاته الوطنية والدولية، د. الشافعي محمد بشير/43 - 44.

(14) انظر: الموسوعة العربية العالمية 9/ 472 - 473، وقانون حقوق الإنسان د. الشافعي محمد بشير/13، ومدى انسجام الأنظمة السعودية مع اتفاقيات حقوق الإنسان الرئيسية، دراسة عن الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان/21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت