الأولى [1] وعليه فهذه وقفة مع هذا الشأن المهم ليظهر فهم هذه الجزئية بما لايتعارض مع الحرية، ولايكون انتهاكًا لها، فأقول وبالله التوفيق:
وقع إجماع الأمة على أن المرتد لا خيار له فيما ارتد إليه، سواء ارتد إلى دين يقر عليه ابتداءً أم إلى غير ذلك، وأنه إذا حصل ذلك قتل حدًا لردته، وهذا الإجماع في شأن الرجل إذا توفرت شروط تطبيق الحد التي ذكرها العلماء؛ يقول ابن قدامة رحمه الله [2] : (( وأجمع أهل العلم على وجوب قتال المرتدين، وروي ذلك عن أبي بكر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي موسى وابن عباس وخالد رضي اللهن عنهم وغيرهم فلم ينكر فكان إجماعًا ) ).
وقال في بداية المجتهد [3] : (( والمرتد إذا ظفر به قبل أن يحارب فاتفقوا على أنه يقتل الرجل، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» [4] ، واختلفوا في قتل المرأة، وهل تستتاب قبل أن تقتل، فقال الجمهور: تقتل المرأة، وقال أبو حنيفة: لاتقتل وشبهها بالكافرة الأصلية ) ).
يقول شيخ الإسلام رحمه الله مبينًا الفرق بين المرتد والكافر الأصلي في شرط من شروط إقامة الحد، وهو الاستتابة [5] : (( والفرق بين هذا وبين الكافر الأصلي من وجوه، أحدها: أن توبة هذا أقرب، لأن المطلوب منه إعادة الإسلام، والمطلوب من ذلك ابتداؤه، والإعادة أسهل من الابتداء، ... الثاني: أن هذا يجب قتله عينًا وإن لم يكن من أهل القتال، وذاك لا يجوز أن يقتل إلا أن يكون من أهل القتال ) ).
وهذا الحكم المجمع عليه دل عليه القرآن فيما يتعلق بحكم الآخرة، قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ} [6] ، وقوله تعالى: {اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} [7] .
وأما السنة فهي صريحة في هذا الحكم، لا يمكن أن يدخل عليها المشبه بتأويل، فقد ورد في الحديث الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عكرمة رضي الله عنه: «من بدل دينه فاقتلوه» [8] ، وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» [9] .
فإذا ظهر هذا الحكم بالدليل السالم من المعارض الصريح في الدلالة فإن الواجب التسليم بموجبه، وعدم معارضة ذلك، لأن الاعتراض على حكم الله أمر عظيم، ولكي
(1) انظر: مدى انسجام الأنظمة السعودية مع اتفاقيات حقوق الإنسان- مرجع سابق/22 - 38.
(2) المغني 12/ 264، وانظر: الحاوي للماوردي 16/ 408، وزاد المعاد لابن القيم 5/ 41.
(3) لابن رشد 2/ 376.
(4) سيأتي يخرجه قريبًا.
(5) الصارم المسلول على شاتم الرسول 1/ 333.
(6) البقرة:217.
(7) المائدة:54.
(8) أخرجه البخاري في صحيحه، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، برقم: (6524) .
(9) أخرجه البخاري في صحيحه، باب قول الله تعالى: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ، برقم: (6484) ، ومسلم باب ما يباح به دم المسلم، برقم: (1674) .