فالغضب وصف حقيقي لله، وغضب الله يليق به، وقد شرِق أهل البدع بهذه الصفة، وقالوا: لا، لا يمكن أن يوصف الله بالغضب. لما يا قوم؟!
قالوا: لأن الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام، والله منزه عن ذلك.
قلنا لهم: إن هذا الغضب الذي وصفتم غضب المخلوق الذي له قلب يغلي بالدم، فلهذا تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه، فأنتم في الواقع وقعتم في التمثيل ففررتم منه إلى التعطيل، ولو أنكم أوردتم النصوص موردها وحملتم كلام الله - عز وجل - على ما يليق به؛ لأدركتم أن الله تعالى له غضب يليق به كما قال نبيه - صلى الله عليه وسلم - في حديث الشفاعة في البُخاري وغيره:"قد غضب اليوم ربي غضبًا لم يغضب مثله قبل ولن يغضب مثله بعد"فأثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه - عز وجل - غضبًا حقيقيًا، وهذا ليس صفة نقص، بل إن فاقد الغضب، الذي لا يغضب حتى عند المخلوقين، يعني لا يغضب مطلقًا، هذا فيه نقص، إذ القوة الغضبية نوع من أنواع القوة؛ فلهذا يغار الإنسان على محارمه، ويغضب لدين الله - عز وجل - أن تُنتهك محارمه، ونحو ذلك، وإنما كان الغضب المذموم هو ما أخرجه إلى حد العدوان بالقول أو بالفعل.
-والمقصود: أن الله - سبحانه وتعالى - له غضب حقيقي، وقد دل عليه ناطق الكتاب، فماذا يصنع هؤلاء المبتدعة بهذه الآية؟
قالوا: لا، لا، المراد بغضب الله هو: إيقاع أو إيصال العقوبة إلى المخالفين أو العصاة.
سبحان الله! لو شاء الله - عز وجل - لقال ذلك، فكيف تحملون كلام الله - عز وجل - على مالم يرده؟! الغضب شيء والأثر المترتب عليه شيء آخر، كما الرحمة شيء والأثر المترتب عليها شيء أخر، كما المحبة شيء والأثر المترتب عليها شيء آخر.
فالقوم دومًا يفسرون الصفات الفعلية بآثارها، فيقولون مثلًا:
-الغضب هو: إيصال العقوبة.
-الرحمة هو: إيصال النفع للعباد، وهكذا
وكل هذا تأويل بارد لا دليل عليه، ومما يدلكم على الفرق بين المقامين أنك مثلًا ترى الإنسان الفقير وترق له وترحمه، وقد تمُد يدك إلى جيبك وتُعطيه، وقد لا يكون في جيبك شيء وتنصرف، فالرحمة متحققة في