الصفحة 48 من 280

والمقصود: أن هذه الآية العظيمة آية في الحقيقة جمعت بين النفي والإثبات، وتضمنت من صفات الكمال ونعوت الجلال وتنزيه الله - سبحانه وتعالى - عن النقائص والعيوب معاني عظيمة، فلذلك استحقت هذا الوصف وأنها أعظم آية في كتاب الله، فكانت مثالًا واضحًا على الجمع بين النفي والإثبات فيما وصف وسمى الله تعالى به نفسه، وذكر الشيخ مثالين نختم بهما في الجمع بين النفي والإثبات وهما:

• وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد/3]

هذه الآية كفانا تفسيرها من لا ينطق عن الهوى، نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال في مناجاته لربه: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، أرأيتم هذا التعبير النبوي، وهذا خير من قول بعضهم: الأول بلا ابتداء، قديم بلا انتهاء، خير منه نعبر بما عبر به النبي - صلى الله عليه وسلم: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء

يعني أنه أقرب من كل شيء إلى كل شيء.

قال ابن القيم رحمه الله: تضمنت هذه الآية الإحاطة الزمانية والمكانية، أين الإحاطة الزمانية؟ من قوله: الأول والآخر؛ لأنه قبل وبعد، الإحاطة المكانية: الظاهر والباطن؛ لأنه فوق ودون، فالله تعالى محيط بخلقه، ومراد الشيخ رحمه الله أن نضب مثالًا على الأشياء المتقابلة كتقابل النفي والإثبات.

• قال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان/58] (وتوكل) أمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعده لأمته بالتوكل فما التوكل؟

التوكل هو: اعتماد القلب على الله - عز وجل - في جلب المصالح ودفع المفاسد مع فعل الأسباب الموصلة إلى ذلك هذه هي حقيقة التوكل، وسيد المتوكلين محمد - صلى الله عليه وسلم -، وحينما دخل مكة عام الفتح دخل وعلى رأسه المغفر وقد ظاهر بين الدرعين مما يدل على أن اتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل بل هو من التوكل، فالتوكل هو اعتماد القلب على الله - عز وجل - في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب الموصلة لذلك؛ تأمل ختم هذه الآية (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) -الله أكبر- تأمل ختم هذه الآية، ما أطمن هذا للقلب؛ لأن من توكل على مخلوق فعما قليل يموت هذا المخلوق ويبقى بلا وكيل، أما من توكل على الحي الذي لا يموت فهو في طمأنينة وسكينة مستمرة؛ لأن وكيله لا يموت.

(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) فقد جمع بين النفي والإثبات، ف (الحي) إثبات، و (لا يموت) نفي، فهذه من طريقة القرآن في الجمع بين النفي والإثبات، فربنا سبحانه وتعالى قد جمع فيما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات.

والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت