إلى الجنة أينا ذلك الواحد،- وحُق لهم - رضي الله عنهم - أن يشق عليهم ذلك- فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مُطَمئنًا: قال إنكم في أُمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج، - وهذا دليلٌ معشر الإخوان أن يأجوج ومأجوج من نسل آدم؛ لأنه قال: أخرج بعث النار من ذريتك، فهم في الواقع خلق آدمي بشري مثلهم مثل سائر بني آدم، لا يختلفون عنهم إلا فيما تختلف فيه الشعوب والأعراق بعضها عن بعض، فكما أن الأفارقة يختلفون عن الأوربيين والصينيين يختلفون عن الأمريكيين، وهكذا، بسمات معينة بالألوان، والهيئات، كذلك يأجوج ومأجوج، خلافًا لما يتوهمه كثيرٌ من العامة بناءً على إسرائليات مروية، أن يأجوج ومأجوج منهم من هو كالنخلة السَحُوق طولًا، ومنهم من يكون بحجم الشبر، أو أن عشرة منهم إذا ركب بعضهم على بعض أطلوا في الصاع، أو نحو ذلك من الأوهام التي ترسمها مخيلات العامة، وقد ذكر هذا ابن كثير رحمه الله، ونقله عن ابن جرير الطبري، وأن منهم من ينام على أُذن ويلتحف بأذن، وغير ذلك مما لا يعرف إلا في أفلام الكرتون حقيقةً، فهذا كله باطل، فالحق أنهم من بني آدم ومن ذرية آدم، وأنهم كانوا يسكنون جانبًا من الأرض، قال ابن كثير رحمه الله: منغوليا، ومنغوليا هي مقاطعة من مقاطعات الصين، هذه مواطنهم، وأن القوم كانوا أهل فساد في الأرض؛ فيُغِيرون على القبائل المجاورة لهم؛ ويهلكون الحرث والنسل، وكان أن استنصر بذي القرنين أهل تلك الجهات؛ فبنى لهم سدًا عظيمًا بين جبلين؛ فحال دون خروجهم عليهم، وذلك السد منذ ذلك الحين وقد بدء بالاندثار من وقت النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فزعًا محمرً وجه وقال:"ويلٌ للعرب من شر قد اقترب؛ فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا (وحلق السبابة والإبهام) "، فحقيقة هؤلاء القوم أنهم من بني آدم، كما دل عليه هذا الحديث الصريح، وأنهم ليسوا عالم غيبي كما يتوهم بعض الناس، أنهم أمة غيبية، مجهولة، لا يمكن الوصول إليهم، هم قوم يعيشوننا، ويسكنون جانبًا من الكرة الأرضية، وهم كثرة، ومناطقهم هي الجهات الشرقية في أواسط آسيا، وجهات الصين، وأن السد لم يعد مانع لهم من الاتصال بالناس فهم أمة كبيرة ضخمة يعيشون على وجه الأرض، وإنما كان ذلك السد بُني في فترة معينة وكان رحمة من الله - عز وجل -؛ فحال بينهم وبين أذية غيرهم، وليس في القرآن، ولا في السنة، ما يدل على أنهم عالم غيبي، أو أنهم محجوبون وراء جدار لا يُعرف حالهم، إذ كيف يمكن أن تكون أمة بهذه الكثرة الكاثرة العظيمة، ومع ذلك غير مُدركة، والكرة الأرضية الآن قد فحصت شبرًا شبرا، وصورت بالأقمار الصناعية فليسوا بضعة نفر، أو ألف، أو ألفين، أو عشرة ألاف في جزيرة قد يُقال: أنها مخفية
أمة هائلة، هم أكثر أهل النار، فلا يُعقل أن يكونوا مغيبين عن الأنظار، وأما الحديث الذي يستدل به بعض الناس بأن يأجوج ومأجوج لا يزالون ينقبون في السد، حتى إذا لم يبقي بينهم وبين أن يبصروا الشمس من الجانب المقابل إلا قليل، قال قيمهم: ارجعوا غدًا، ولم يقل: إن شاء الله؛ فإذا رجعوا من الغد عاد كما كان فيتكرر هذا الأمر كل يوم، فهذا الحديث حديث منكر، وقد ذكر له العلماء عدة علل، استنكره ابن كثير وغيره، وألف فيه أحد طلبة العلم رسالة، أو بحثًا مستقل رصينًا، وبين فيه بطلانه، وأنه لا يعول عليه