الصفحة 67 من 77

الله في أرضه، مع اعتبار ما ذكرناه من قبل من توضيح الموقف العقدي في أي حالة سواء نعم أو لا .. وأننا مضطرين مكرهين غير باغين ولا عائدين إذ نتعاطى مع"دستور علماني"فتكون مشاركتنا ليست من جانب"إضفاء شرعية عليه"ـ إذ لا شرعية إلا لما شرعه الله تعالى ـ ولكن من جانب إيجاد الواقع للشريعة، وعدم اعتزال الحياة والواقع.

وبهذا، فلا يمكن أن ننظر إلى الجانب العقدي وحده، ونهمل إدراك الواقع وتحدياته وعقباته .. ولا يمكن أن ننظر إلى الواقع، ونهمل الجانب العقدي .. والصواب ـ والله أعلم ـ أن نبدأ باستعلان الجانب العقائدي أولًا، ثم ـ بعد ذلك لا قبله ـ نتحرك في الواقع محققين المصالح، وندفع المفاسد .. خدمة"لشرع الله ودينه"لا خدمة أفراد أو أحزاب أو جماعات. وعلى كل حال هذا مجرد"مثال"أوردته فقط لتوضيح طريقة التفكير، وكيفية التعامل مع الغاية، والعقبات التي تقف في طريقها .. فقد يتغير الواقع اليوم أو غدا، وتتبدل الأوضاع .. لكن ما يهمنا هو كيفية التعاطي مع الواقع، بما يخدم قيام شرع الله وحكمه في الأرض، وتحقيق"المصالح"و"دفع المفاسد"التي تُمهد لقيام شرع الله في أرض الله.

كما يجب التأكيد على أهمية (جانب العقيدة) ، وأن (الجانب الواقعي) ليس على نفس الدرجة من الأهمية .. إذ أن الجانب الاعتقادي والإيماني الخاص بالأمور التي قد تكون في طريق الشريعة كـ (الدستور ـ البرلمان ـ الانتخابات ـ وغيرها من الواقع الذي نتعاطى معه) هو أمر يمس إيمان المرء .. كأن يؤمن المسلم مثلًا بدستور علماني، أو أن للبشر حق التحليل والتحريم من دون الله .. ولذلك قلنا حين طُرح السؤال: نعم أم لا .. قلنا وجوب إيضاح الموقف العقدي والإيماني منه قبل أي شيء. لأن ذلك دين نتَعبد به لله سبحانه وتعالى يجب ألا تشوبه أي شائبة.

أما (الجانب الواقعي) فهو لا شك مهم، ولكن ليس بنفس أهمية إيمان المرء ومعتقده .. إدارك الجانب الواقعي لا بد منه لتحقيق واقع الشريعة .. ولكن قد يتقاعس عنه المرء، فيكون من القاعدين. أما العقيدة والإيمان فلا يمكن التقاعد أو التقاعس أو الـ لا موقف .. فموقفها يجب أن يكون شديد الوضوح، طاهر من كل شرك، حاسم في كل موقف، دون اعتبار لأي حالات أو مألات. فالعقيدة مقدمة على أي اعتبار حتى ولو الموت.

والجانب الواقعي: جانب عملي اجتهادي أصله قائم على قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (رواه البخاري) فمثلًا لو اختار المرء"نعم"ـ في المثال المذكور"الدستور"ـ معتقدًا أولًا أنه لا مشرع إلا الله، وأنه يؤمن بشرع الله وحكمه وسليم الاعتقاد في إيمانه، ثم نظر في واقعه واجتهد قدر المستطاع، ونيته قائمة على إيجاد الطريق وتمهيد السبل لإقامة شرع الله، فتبين له أن"نعم"أقرب إلى تحقيق المراد لقيام شرع الله أو إزالة العقبات التي تعترض تطبيق شريعة الله، مع سلامة اعتقاده وإيمانه .. كان ذلك ـ بإذن الله ـ موقف إيماني وواقعي صحيح يؤجر عليه المسلم، حتى ولو تبين فيما بعد أن اختيار"نعم"كان خطأ. لأنه يؤجر على نيته وقصده وعبوديته لله سبحانه وتعالى.

والعكس صحيح تمامًا، فلو اختار"لا"ـ في المثال المذكور"الدستور"ـ معتقدًا أولًا أنه لا مشرع إلا الله، وأنه يؤمن بشرع الله وحكمه وسليم الاعتقاد في إيمانه، ثم نظر في واقعه واجتهد قدر المستطاع، ونيته قائمة على إيجاد الطريق وتمهيد السبل لإقامة شرع الله، فتبين له أن"لا"أقرب إلى تحقيق المراد لقيام شرع الله أو إزالة العقبات التي تعترض تطبيق شريعة الله، مع سلامة اعتقاده وإيمانه .. كان ذلك ـ بإذن الله ـ موقف إيماني وواقعي صحيح يؤجر عليه المسلم، حتى ولو تبين فيما بعد أن اختيار"لا"كان خطأ .. لأنه يؤجر على نيته وقصده وعبوديته لله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت