وبالرغم من أن هذه المرحلة شهدت جُمعات مليونية تجميعية حقيقية (الصمود 11/ 2، النصر 18/ 2، الخلاص والتطهير 25/ 2، الاستمرار 4/ 3، الوحدة الوطنية 18/ 3، الاستفتاء 18/ 3) .. إلا أنها وتحت تأثير المدح والثناء المُغرِض والموجّه محليًا وعالميًا، وتحت الركون إلى تأثير"خلاص بقا، مصر بعد 25 غير مصر قبل 25"... كانت تتحرك في إطار"الإيتيكيت" (من البيت للميدان، ومن الميدان للبيت!) وهو ما مهّد للنظام جيدًا في الانتقال للمرحلة التالية.
2 -التهدئة: (نصف مارس الثاني ـ إبريل) 2011م:
وتعتبر هذه المرحلة من أكثر المراحل دقة وحرجًا .. حيث كانت المظلّة هي خطاب المجلس العسكري القائم على حماية الشرعية، والإدارة بتدرّجية، بلا أي حزمٍ أو سرعة في إزاحة رءوس رءوس النظام السابق وأذرع الفساد في كافة القطاعات، وتعيين وزارة تسيير أعمال وليست وزارة ثورية. وبدأ رجال نظام في اجتماعاتهم وترتيب مخططاتهم عبر أندية روتاري وليونز وأنرويل (36 اجتماعًا مكثفًا في شهر مارس فقط) ، كبديل للحزب الوطني الذي أُحرِق بعض مقاره، وراتفعت النداءات بحلّه. وترتّب على هذا أن بدأ يبرز خطاب"ثوار الحزب الوطني من الداخل"الذين يعيدون تقديم أنفسهم ككفاءات جيدة مستعدة لخدمة النظام الجديد، مع بثّ الإعلاميين والصُحفيين الموالين للنظام ونشرهم على عدة جبهات، وتجنيد وإنشاء قنوات فضائية وصحف خاصة من أجل إنجاح تنفيذ مرحلة"التهدئة". وصاحب ذلك إثارة حالة من عدم الأمن وعدم الاستقرار والمصادمات الطائفية المصنوعة بما يعني ارتباك التحرّك في اتجاه التغيير السياسي المنشود .. واستثمر رجال النظام عبر قواهم المتنوعة (الحزب الوطني قبل الحلّ، أندية روتاري وليونز وأنرويل بعد حلّ الوطني، المحافظون، رؤساء المؤسسات والقطاعات المفصلية"الجامعات ـ الإعلام ـ البنوك ـ النقابات") هذه الحالة ـ في مجموعها ـ في التلوّن والتحوّل والالتفاف وإعادة تنظيم الصفوف .. عبر عدة استراتيجيات كان أبرزها إنشاء أحزاب سياسية فلولية بامتياز، واختراق وتجنيد ـ والانضمام إلى ـ أحزاب أخرى قائمة بالفعل. وما كانت بعض الإجراءات الثورية التي تمّت خلال هذه المرحلة (حبس زكريا عزمي ومبارك ونجليه والعادلي، وحلّ الحزب الوطني) إلا ترسيخًا لحالة التهدئة، وضمانًا لعدم تعرضها لخلخلةٍ قد تؤدي إلى تصعيدٍ ثوريٍ على الأرض يؤدي إلى إفشالها.
3 -التبريد: (مايو ـ يونيو ـ يوليو ـ أغسطس) 2011م:
ربما تعجّل مبارك قليلًا عندما أرسل خطابه لقناة العربية لتذيعه في 10/ 4؛ منه إلى أن الثورة دخلت في مرحلة التبريد، كان عليه أن ينتظر حتى الشهر التالي، ولكن حتفَ الأحمق دائمًا يكون على يد نفسه!
طالما أُنجِزت مرحلة التهدئة بدقّة ونجاح، فالتبريد الذي يليها يعتبر تحصيل حاصل .. وقد اعتمدت هذه المرحلة على عدة عوامل حاسمة، لا زلنا نعاني منها حتى الآن وسنظل، تمثّلت في:
ـ الاحتجاج باحترام القانون كأساسٍ لتوجيه الاتهامات، أو للإبقاء على قيادات راهنة لم تتهم بعد.
ـ الاحتجاج بالحكمة والخبرة المطلوبة لدى عواجيز قيادات المرحلة الانتقالية، والحجر على القوى الثورية الشابة الجديدة.
ـ إعادة تشكيل (والتلاعب بـ) مكوّنات شباب الثورة، والذي بدأ بالحوار الذي أجراه المجلس العسكري بمسرح الجلاء، مع شباب الثورة .. الذين كان أغلبهم ـ ويا للمصادفة (!!) ـ من الإخوان.