والسلام أن أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء وهو غار في قمة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القوي إلا بمشقة، فكان يصعده عليه الصلاة والسلام ويتحنث، يتعبد لله عز وجل بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالي ذوات العدد، يعني عدة ليال، ومعه زاد أخذه يتزود به من طعام وشراب، ثم ينزل ويتزود لمثلها من أهله، ويرجع ويتحنث لله عز وجل، إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمره أن يقرأ فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» ومعنى «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» [1] يعني لست من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة، إذ أنه - صلى الله عليه وسلم - كان أميًّا كما قال الله تعالى: [فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ] (الأعراف: 58) . وقال تعالى: [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ] (الجمعة: 2) . فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنه لا يقرأ ولا يكتب، حتى تتبين حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاك شك في صدقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: [وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ] (العنكبوت: 48) .
قال له: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» فغطه مرتين أو ثلاثًا، ثم قال له [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]
خمس آيات نزلت فرجع بها النبي - صلى الله عليه وسلم - يرجف فؤاده من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة.
[اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ]
قوله: [بِاسْمِ رَبِّكَ] قيل معناه متلبسًا بذلك، وقيل مستعينًا بذلك، يعني اقرأ مستعينًا باسم الله؛ لأن أسماء الله تعالى كلها خير، وكلها إعانة يستعين
(1) أخرجه البخاري (كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) رقم (3) ، ومسلم (باب بَدْءِ الْوَحْىِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) رقم (422) .