56). وإنما أخبرنا الله بذلك لأجل أن نلجأ إليه في جميع أمورنا، إذا علمنا أنه هو الخالق بعد العدم وأصابنا المرض نلجأ إلى الله لأن الذي خلقك وأوجدك من العدم قادر على أن يصحح بدنك، إذًا الجأ إلى ربك، اعتمد عليه، ولا حرج أن تتناول ما أباح لك من الدواء، لكن مع اعتقاد أن هذا الدواء سبب من الأسباب جعله الله عز وجل، وإذا شفيت بهذا السبب فالذي شفاك هو الله عز وجل، هو الذي جعل هذا الدواء سببًا لشفائك، ولو شاء لجعل هذا الدواء سببًا لهلاكك، فإذا علمنا أن الله هو الخالق فنحن نلجأ في أمورنا كلها إلى الله عز وجل، إذا علمنا أنه هو الهادي فإننا نستهدي بهدايته، بشريعته حتى نصل إلى ما أعد لنا ربنا عز وجل من الكرامة.
[سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى * إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى]
هذا وعد من الله سبحانه وتعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه يقرئه القرآن ولا ينساه الرسول، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعجل إذا جاء جبريل يُلقي عليه الوحي فقال الله له: [لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ] (القيامة: 16 ـ 19) . فصار النبي - صلى الله عليه وسلم - ينصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي ثم يقرأه، وهنا يقول: [سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى * إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ] يعني إلا ما شاء أن تنساه فإن الأمر بيده عز وجل [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ] (الرعد: 39) . [مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ] ... (البقرة: 106، 107) .
وربما نُسّي النبي - صلى الله عليه وسلم - آية من كتاب الله ولكنه سرعان ما يذكرها عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى: [إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ] أي أن الله تعالى يعلم الجهر، والجهر: ما يجهر به الإنسان ويتكلم به مسموعًا.
[وَمَا يَخْفَى] أي: ما يكون خفيًّا لا يُظهر فإن الله يعلمه، كما قال تعالى: