هذين الوصفين اليتم والقرابة فإن الإنفاق عليه من اقتحام العقبة إذا كان ذلك في يوم ذي مسغبة.
[أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ]
يعني: أو إطعام في يوم ذي مسغبة [مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ] ، المسكين: هو الذي لا يجد قوته ولا قوت عياله. المتربة: مكان التراب، والمعنى: أنه مسكين ليس بيديه شيء إلا التراب. ومعلوم أنه إذا قيل عن الرجل: ليس عنده إلا التراب، فالمعنى: أنه فقير جدًا ليس عنده طعام، وليس عنده كساء، وليس عنده مال فهو مسكين ذو متربة.
[ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ]
[ثُمَّ كَانَ] يعني: ثم هو بعد ذلك ليس محسنًا على اليتامى والمساكين فقط، بل هو ذو إيمان، آمن بكل ما يجب الإيمان به. وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي يجب الإيمان به، فقال حين سأله جبريل عن الإيمان: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» [1] .
وقوله: [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] أي: أوصى بعضهم بعضًا بالصبر، فهم صابرون متواصون بالصبر بأنواعها الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
وقد اجتمعت هذه الأنواع الثلاثة في الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، فها هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - صابر على طاعة الله، يجاهد في سبيل الله، ويدعو إلى الله، ويؤذى ويعتدى عليه بالضرب، حتى هم المشركون بقتله وهو مع ذلك صابر محتسب، وهو أيضًا صابر عن معصية الله، لا يمكن أن يغدر بأحد، ولا أن يكذب أحدًا، ولا أن يخون أحدًا، وهو أيضًا متق لله تعالى بقدر ما يستطيع. كذلك صابر على أقدار الله، كم أوذي في الله عز وجل من أجل طاعته، أليست قريش قد آذوه حتى إذا رأوه ساجدًا تحت الكعبة أمروا من يأتي بسلا ناقة فيضعه على ظهره، وهو ساجد عليه الصلاة والسلام؟! وهو صابر في ذلك كله.
(1) تقدم تخريجه في هامش (23) .