الصفحة 7 من 33

وسعادة.

وهذه الآياتُ من سورة الأنعام - ولها في القرآن أمثالٌ أخرى - واضحةُ الدلالة على أَنَّ الله تعالى منح الإنسانَ حرية التصرف لامتحانه وسعادته، وأمره بما ينجيه، ونهاه عمَّا يُرديه، فإن استجابَ أراد اللهُ تعالى ورضي، وإن عصى أراد الله ولم يَرْضَ.

قال تعالى:

{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الزمر: 7]

وسأضرب لك - عزيزي القارئ - مثلًا تدركُ منه الفرقَ بين المشيئة والرضا. كل والد يحبُّ ولده، ويرجو له التوفيق، والسعادة، والرضا. فإن كان عاقًّا فاسِدًا نصحه، وصبر عليه كثيرًا، فإذا تمادى الولدُ في عقوقه وفساده، طرده والده من بيته بإرادته، حتى إذا ذهبَ الولدُ دمعتْ عينا والده؛ لأنه لا يرضى بعقوق وضياع ولده. وقُلْ مثلَ ذلك في الأستاذ يريدُ ويرجو لتلميذه النجاح، والتفوق، فإذا تكاسلَ التلميذُ وضعَ له الأستاذُ علامة الإخفاق والرسوب بإرادته؛ لأن ذلك هو العدالةُ والإنصاف للفرد والمجتمع، ولكنَّ قلبَ الأستاذ يعتصرُ أسًى وألمًا على طالبه الراسب؛ لأنه لا يرضى له الرسوبَ، ولا تطيبُ نفسُه بذلك.

ومن هذا الفهم والمنطلق السَّليم نقول:

إِنَّ اللهَ يُريدُ الانتحار والحسد ولا يرضى بهما؛ لأنَّ كلاًّ من المنتحر والحاسد حرّ التصرُّف كما رأينا وأثبتنا من قبل، ومسؤول عن تصرُّفه هذا، ولا يقع شيءٌ في الكون إلا بمشيئة الله، وهو:

{فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107]

والانتحارُ والحسدُ كبيرتان نهى الله تعالى ورسوله عنهما نهيًا قاطعًا، ففي سورة النساء [29] :

{وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}

وفي سورة طه [131] :

{وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى}

وفي سورة الفلق [5] :

{وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت