قوله [لعن الله من آوى مُحدثًا] قال الخليل (يقال: أوى الرجل إلى منزله، وآوى غيره، أويًّا وإيواء) . والمعنى إذا انضم إليه.
وقوله [مُحدثًا] من الحدث، وهو يعم أمور المعتقد كبدعة الجهمية، ويعم أمور الشريعة كجريمة القتل. وكلمة محدثًا تحتمل ضبطين: ـ
ـ الأول: بكسر الدال المهملة على الفاعل، والمعنى: من ضم إليه فاعل حدث، وكان مَنعَةً له من أخذ الحق منه كقصاص وغيره. وقيل: بل هو الفارّ المستحق لحد شرعي.
ـ الثاني: بفتح الدال المهملة على المفعول، والمعنى الرضا بالحدث وعدم إنكاره، لأن في ذلك إقرارًا بالحدث مما يسبب شيوعه، وفيه مخالفة لأمر الشارع كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) . قال ابن القيم رحمه الله (هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث نفسه، فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم) اهـ.
قوله [لعن الله من غيّر منار الأرض] منار الأرض علامات حدودها، سميت بذلك لإنارتها بين المحدودين من الأرض، فيتميزان ويتضحان. وتغيير منار الأرض يدخل فيه صورتان: ـ
* الصورة الأولى: تغيير علامات حدود أرض لاقتطاع حق الغير من الأرض بدون حق، وهذا المعنى هو الذي جزم به المصنف رحمه الله، حيث قال في مسائل الباب [ (لعن من غير منار الأرض) هي المراسيم التي تفرق بين حقك من الأرض وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير] اهـ.
وعليه فتغيير منار الأرض هنا يكون بتقديم أو تأخير بظلم، وفيه قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - (من ظلم شبرًا من الأرض طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين) متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها. وفي رواية للحديث عند مسلم (لا يأخذ أحد شبرًا من الأرض بغير حقه، إلا طَوَّقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة) . والتطويق هنا يفسر على وجهين ـ كما قال الخطابي ـ أحدهما: أن تخسف به الأرضون السبع، فتكون البقعة المغصوبة منها في عنقه كالطوق.
والوجه الآخر: أن يكون ذلك من طوق التكليف لا من طوق التقليد، وهو أن يكلف حملها يوم القيامة.
* والصورة الثانية: تغيير العلامات التي ترشد إلى الطرق والبلدان والمياه، ونحوها؛ لأن ذلك سبيل إلى تضليل الناس والكذب عليهم.