فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 673

ذات الله وحدها بدلالة التضمن، وعلى صفة الرحمة وحدها بالتضمن، قال تعالى مبينا اتصافه بالرحمة العامة: {وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذَابَ بَل لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف:58] ، فالرحمة في الآية صفة لا تقوم بنفسها ولكنها تقوم بالموصوف المسمى الرحمن الرحيم، غير أن دلالة الرحمن على هذه الرحمة العامة أقرب؛ وذلك لعمومها في الناس أجمعين؛ وقد ذكر الله تعالى أنه بسببها أخر العذاب عن الكافرين، ولو كانت رحمة خاصة لأهلكهم أجمعين.

ومن الأدلة على تضمن اسم الله الرحمن للرحمة العامة قوله تعالى: {قُل مَنْ يَكْلؤُكُمْ بِالليْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَل هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:42] ، ومعنى يكلؤكم أي يحرسكم ويحفظكم فلا يحتاج الناس إلى حافظ يحفظهم من الرحمن ذي الرحمة الواسعة [1] ، قال البيضاوي: (وفي لفظ الرحمن تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامة) [2] ، وقال تعالى أيضا في دلالة اسم الله الرحمن على الرحمة العامة: {الرحمنُ علمَ القرآنَ خلقَ الإنسانَ علمَه البَيان} [الرحمن:1/ 3] ، فخلق الإنسان وتعليمه البيان من قبل الرحمن يدل على أن ذلك من الرحمة العامة لأن لفظ الإنسان يتناول الجنس.

ومن الرحمة العامة التي دل عليها اسمه الرحمن قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:73] ، فالليل والنهار من رحمته وينتفع بهما جميع المكلفين، إمهالا وابتلاء من رب العالمين، ومن ثم تتحقق فيهم مشيئته، وتتجلى فيهم حكمته، وتستقيم الشرائع والأحكام ويتميز الحلال من الحرام، قال تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [يونس:21] ، وفي المسند أيضا وصححه الألباني من حديث عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قَالَ الله عَزَّ وَجَل: أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) [3] ، والخطاب في الحديث عام لجميع المكلفين، وعند البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ

(1) تفسير القرطبي 11/ 291، والبرهان في علوم القرآن 2/ 504.

(2) تفسير البيضاوي 4/ 95.

(3) السابق 1/ 191 (1659) ، وانظر السلسلة الصحيحة 2/ 49 (520) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت