فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 673

منه، وهو التنفيذ والاستجابة، على الفور أو التراخي بحسب مراد الآمر الناهي [1] .

قال ابن هشام: (التحقيق أن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء فقط، وأن الطلب من أقسام الإنشاء، وأن مدلول قم حاصل عند التلفظ به، لا يتأخر عنه، وإنما يتأخر عنه الامتثال وهو خارج عن مدلول اللفظ) [2] .

ويذكر البيهقي أن حقيقة الإيمان والتوحيد تكمن في تصديق الخبر وتنفيذ الأمر لأن الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب، والأمر والنهي كل واحد منهما قول يتردد بين أن يطاع قائله وبين أن يعصي، فمن سمع خبرا واعتقد أنه حق وصدق فقد آمن به، ومن سمع أمرا أو نهيا فاعتقد الطاعة له فكأنما آمن في نفسه به [3] .

وقد بين ابن القيم أن أساس التوحيد والهداية التي منَّ الله بها على عباده يقوم على تصديق خبر الله من غير اعتراض شبهة، وامتثال أمره من غير اعتراض شهوة، ثم يقول: (وعلى هذين الأصلين مدار الإيمان، وهما تصديق الخبر وطاعة الأمر) [4] .

ولما كان الصحابة - رضي الله عنهم - هم أهل الفصاحة واللسان، وقد خاطبهم الله عز وجل بنوعي الكلام في القرآن كان منهجهم في مسائل التوحيد والإيمان هو تصديق الخبر وتنفيذ الأمر، فلو أخبرهم الله عن شيء صدقوه تصديقا جازما ينفي الوهم والشك والظن، وهذا ما عرف لاحقا عند السلف بتوحيد العلم والخبر، أو توحيد المعرفة والإثبات، أو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، أو غير ذلك من مسميات واصطلاحات.

والصحابة - رضي الله عنهم - أيضا لو أمرهم الله بشيء نفذوه بالقلب واللسان والجوارح، وهو ما عرف لاحقا عند السلف بتوحيد العبادة، أو توحيد الإلوهية، أو توحيد القصد والطلب، فغاية التوحيد العظمى وطريقة السلف المثلى التي جاهدوا المخالفين لإلزامهم بها؛ أن يثبتوا ما أثبته الله لنفسه بتصديق خبره، وأن يطيعوا الله فيما أمر به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فالصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا إجماعا سكوتيا دون مخالف أن يصدقوا خبر ربهم وبلاغ نبيهم، وأن ينفذوا أمر معبودهم عن خضوع وتسليم ومحبة وتعظيم، ولم يكن بينهم من دان بغير

(1) انظر شرح السيوطي علي سنن النسائي 2/ 131، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 16.

(2) شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب لابن هشام ص40.

(3) شعب الإيمان للبيهقي 1/ 35.

(4) مفتاح دار السعادة لابن القيم 1/ 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت