يَفْتَح فَتْحًا، والفَتْحُ نقيض الإِغلاق، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف:40] ، والمعنى أن أَبواب السماء تغلق أمام أرواحهم، فلا تَصْعَدُ أَرواحُهم ولا أَعمالهم بعكس المؤمنين، والمفتاح كلُّ ما يُتَوَصَّل به إلى استخراج الْمْغلقاَت التي يَتَعذَّر الوُصُول إليها، وعند البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ إِذْ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ حَتَّى وُضِعَتْ في يَدِي) [1] ، فأخْبر صلى الله عليه وسلم أنه أوتيَ مَفاتِيحَ الكَلِم وهو ما يَسَّر الله له من البَلاغة والفصاحة والوُصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحِكَم ومَحاسِن العِبارات والألفاظ التي أُغلِقت على غيره، ومَن كان في يَده مفَاتيح شيء سَهُلَ عليه الوصول إليه، والفتَّاحُ في اللغة أيضا هو الحاكِمُ يقال للقاضي الذي يحكم بين الناس فَتَّاحُ لأَنه يَفْتُحُ مواضع الحق [2] .
والفتَّاح سبحانه هو الذي يفتح أبواب الرَّحْمة والرزق لعباده أجمعين أو يفتح أبواب البلاء لامتحان المؤمنين الصادقين، فمن الأول ما ورد في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96] ، وقوله: {مَا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [فاطر:2] ، قيل معناه ما يأْتيهم به الله من مطر أَو رزق فلا يقدر أَحد أَن يمنعه، وما يمسك من ذلك فلا يقدر أَحد أَن يرسله، ومن الفتح بمعنى فتح البلاء والامتحان ما ورد في قوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:44] [3] .
والفتاح هو الذي يحكم بين العباد فيما هم فيه يختلفون، ومنه قوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89] ، وهو سبحانه الذي يفتح خزائن جوده وكرمه لعباده الطائعين، ويفتح أبواب البلاء والهلاك على الكافرين المعاندين، وهو الذي يَفتَحُ على خَلقِهِ ما انغلَقَ عليهم من أمورِهِم فيُيَسّرُها لهم فَضلا منه وكَرَمًا لأن خزائن السماوات والأرض بيده، يفتح منها ما يشاء بحكمته، وعلى ما قضاه في خلقه بمشيئته [4] ، قال ابن القيم:
(1) البخاري في التعبير، باب رؤيا الليل 6/ 2568 (6597) .
(2) انظر في المعنى اللغوي: لسان العرب 2/ 536، واشتقاق أسماء الله للزجاج ص 189، ومفردات ألفاظ القرآن ص 621، وكتاب العين 3/ 194.
(3) فتح القدير 4/ 326، وتفسير الطبري 22/ 114، وتفسير الثعالبي 3/ 252.
(4) صحيح البخاري 4/ 1697، وتفسير القرطبي 14/ 300، وتفسير ابن كثير 3/ 539.