{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ} بفتح الميم موضع القيام، وبالضم موضع الإقامة، وبهما قريء [1] ، وهو موضع الصدق في قوله: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [2] ، {أَمِينٍ} هو ضد الخائن وصف به المكان استعارة، لأن المكان المخيف يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره، أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: أمين من الشيطان والأوصاب والأحزان [3] .
{فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} بدل من المقام [4] ،
{يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ} هو ما رقّ من الديباج {وَإِسْتَبْرَقٍ} هو ما غلظ منه، {مُتَقَابِلِينَ} [5] ، كما قال تعالى: {عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} (الصافات: 44) .
{يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} ، {لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} (المؤمنون: من الآية 19) {لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} (الزخرف: 73) .
{لا يَذُوقُونَ فِيهَا} في الجنات {الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى} وهو تعليق بالمحال وإخبارٌ بأن الموتة الأولى هي التي ذاقوها في الدنيا لا يستقيم ذوقها بعد ذلك، أخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه حديث ذبح الموت بين الجنة والنار [6] ، كما تقدم في الحديث المرفوع وأنه يذبح بين
(1) قرأ نافع وابن عامر بضم الميم، والباقون بفتحها، وهما قراءتان سبعيتان، انظر: الحجة للفارسي 3/ 388، والبحر المحيط 8/ 58.
(2) من قوله:"بفتح الميم ..."إلى هنا جاء ملحقًا بالحاشية، وعليه:"صح".
(3) أخرجه الطبري في تفسيره 25/ 159، من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وهو إسنادٌ حسن قد تقدم الكلام عليه ص 56، وعزاه لعبد بن حميد: السيوطي في الدر المنثور 5/ 753.
(4) انظر: الدر المصون 9/ 629، وتفسير أبي السعود 6/ 54.
(5) بعد هذه الآية آية ساقطة من الأصل وهي قوله تعالى: {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} .
(6) أورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه لابن مردويه عن أنس، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجاء بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيعرفه هؤلاء، ويعرفه هؤلاء، فيقول أهل النار: اللهم سلطه علينا، ويقول أهل الجنة: اللهم إنك قضيت أن لا نذوق فيها الموت إلا الموتة الأولى، فيذبح بينهما، فييأس أهل النار من الموت، ويأمن أهل الجنة من الموت) ، ولم أعثر عليه عند غير السيوطي، ولكن يشهد له ما بعده.