كنت عند الحسن فقال له رجل: يا أبا سعيد! ليلة القدر في كل رمضان؟ قال: أي والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي فيها يفرق كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل عمل وأجل ورزق، إلى مثلها [1] . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس مثله [2] ، وعن غير من ذكر. أو ليلة النصف في شعبان ثبتت فيه روايات عن السلف كثيرة وأحاديث مرفوعة [3] ، فأخرج الدينوري [4] في المجالسة عن راشد بن سعد [5] أن
(1) أخرجه الطبري في تفسيره 25/ 128 من طريقين: أحدهما عن يزيد بن هارون عن ربيعة، والآخر عن ابن علية عن ربيعة بن كلثوم مثله، والإسناد الأول فيه مجاهد بن موسى الخوارزمي الختلي ثقة. انظر: التقريب ص 921 (6525) ، وتحقيق أحمد شاكر 1/ 384، ويزيد بن هارون بن زاذان السلمي ثقة. انظر: السير 9/ 358 (118) ، والتقريب ص 1084 (7842) ، وربيعة بن كلثوم، قال ابن أبي حاتم:"انفرد به مسلم"، وقال الذهبي في الكاشف:"ثقه"1/ 239 (1569) ، وقال الحافظ ابن حجر:"صدوق يهم". انظر: التقريب ص 323 (1927) ، وهو في قيام رمضان لمحمد بن نصر (1/ 58) ، وللأثر شاهدٌ مرفوع عند أبي داود عن ابن عمر قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: (هي في كل رمضان) . انظر: سنن أبي داود ص 216 (1387) . وقال ابن كثير 4/ 844:"إسناد رجاله ثقات"، وعزاه لعبد بن حميد ومحمد بن نصر: السيوطي في الدر المنثور 5/ 739.
(2) أخرجه الطبري في تفسيره 25/ 129، والحاكم في مستدركه 2/ 487 (3678) ، والبيهقي في شعب الإيمان 5/ 254 (3388) ، وقال الحاكم:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في التلخيص:"صحيح على شرط مسلم"، ولم أجده في تفسير ابن أبي حاتم.
(3) وهذا هو القول الثاني في المراد بالليلة المباركة، وقال به عكرمة وغيره، وهو خلاف الصواب، بل الراجح أنها ليلة القدر كما هو قول الجمهور واختيار الطبري وابن كثير وغيرهما من المحققين من أهل العلم، قال صاحب أضواء البيان:"وقد بين تعالى أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر، التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان، في قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} فدعوى أنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة وغيره، لا شك في أنها دعوى باطلة لمخالفتها لنص القرآن الصريح. ولا شك كل ما خالف الحق فهو باطل والأحاديث التي يوردها بعضهم في أنهم من شعبان المخالفة لصريح القرآن لا أساس لها، ولا يصح سند شيء منها، كما جزم به ابن العربي وغير واحد من المحققين فالعجب كل العجب من مسلم يخالف نص القرآن الصريح، بلا مستند كتاب ولا سنة صحيحة"، ا. هـ 7/ 208.
وأما قول المؤلف:"ثبتت فيه روايات عن السلف كثيرة وأحاديث مرفوعة"فغير مسلّم بل من قال بهذا القول من السلف قليلون، والجمهور على خلافه، قال القاضي ابن العربي في أحكام القرآن 4/ 117:"ومنهم من قال إنها ليلة النصف من شعبان وهو باطل"-إلى أن قال-:"فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها"، ا. هـ.
قلت: أما في نسخ الآجال فيها فنعم لم يثبت فيه حديث، وأما في فضلها فقد ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يطَّلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا المشرك أو المشاحن) ، قال الألباني رحمه الله:"حديث صحيح روي عن جماعة من الصحابة من طرق يشد بعضها بعضا"-ثم ساق طرق الحديث وقال بعدها-:"وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب، والصحة تثبت بأقل منها عددًا ما دامت سالمة من الضعف الشديد، كما هو الشأن في هذا الحديث"، ا. هـ سلسلة الأحاديث الصحيحة 3/ 138، ويُنبه على أنه وإن ثبت فضلها إلا أنه لم يثبت في فضل قيامها شيء فلينتبه إلى ذلك، والله أعلم.
(4) أحمد بن مروان الدينوري المالكي، أبو بكر الفقيه العلامة مصنف كتاب المجالسة، كان بصيرًا بمذهب مالك، قال الذهبي: لم أظفر بوفاة الدينوري، وأُراها بعد الثلاثين وثلاث مائة، انظر: السير 15/ 427 (239) ، والديباج المذهب لابن فرحون 1/ 128 (16) .
(5) هو راشد بن سعد الحُبْراني، ويقال: المقرائي الحميري، الفقيه محدث حمص، وثقه غير واحد، مات سنة 108 هـ، وقيل: سنة 113 هـ، واختار الأول ابن سعد في الطبقات، وقال: توفي في خلافة هشام بن عبد الملك، انظر: الطبقات لابن سعد 7/ 317، والسير 4/ 490 (189) .