بأبلغ حكاية، وعبَّر عنها بأبلغ عبارة، [ل 166/أ] فتبين لهم أنه الحق بشهادة الآيات الآفاقية والأنفسية، وأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإذا تبين أنه الحق تبين أن الذي جاء به صادق نبي مرسل من عند الله، وإذا تبين أنه رسول بالحق تبين أن دين الإسلام الذي جاء به حق، فالقول بأن ضمير {أَنَّهُ الْحَقُّ} للإسلام، أو لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو للقرآن مآله واحد [1] ، والأقرب: أنه للقرآن، لأن السياق فيه {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ، أي: أَوَلم يكف به شهيدًا بأن القرآن حق وأنه كلامه وأنه {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} (الشعراء: 193) وأنه لو كان متقوّلًا عليه تعالى، تقوله واختلقه محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما أقالهُ الله تعالى، ولا أبقاه ولعاجل بأخذه كما قال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ • لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ • ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} (الحاقة: 44 - 46) ، وهذا الدليل على حقية القرآن بآيات الآفاق والأنفس، زيادة من الله تعالى في الإبلاغ وإيضاح الأدلة، وإلا فإن ما فيه من الإعجاز الذي أسكتهم عن معارضته من الإخبار بالمغيبات وغير ذلك كاف في الدلالة على أنه الحق.
{أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ} غير متيقنين بالإعادة ولقاء الله مع قيام الأدلة اليقينية على قيام المعاد، فهم منكرون لحقية القرآن مع وضوح أدلة أنه الحق، وشاكّون في المعاد مع قيام الأدلة عليه {أَلا إِنَّهُ} أي ربهم {بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ} ، فهو بإحاطته باعثهم،
(1) انظر: تفسير البيضاوي 8/ 326، وتفسير أبي السعود 6/ 5.