الأقدام بغير تأمل لما في الأرض من الآثار لا يفيد فائدة. {فَيَنْظُرُوا} بعين الاعتبار {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} مآل أمرهم {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} من الأمم {كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً} في الأبدان والمال {وَآثَارًا فِي الأَرْضِ} عمروها أكثر مما عمروها، فكم من آثارهم من بئر معطلة وقصر مشيد ونحوه {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} (الأعراف: من الآية 4) {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ} (محمد: من الآية 13) {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} عند أن أتاهم الهلاك وحق عليهم العذاب، وطوى هنا ما صرّح به في قوله في نظيرها في سورتها: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ} -إلى قوله-: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} (غافر: من الآية 21) وهذا المطويّ مراد هنا، فما أغنى عنهم مُلكهم لما أخذهم الله بذنوبهم، وهذا المعنى في القرآن تكرر كثيرًا {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ} يضيف تعالى الرسل تارة إليهم وتارة إليه تعالى {رُسُلُنَا} (المائدة: من الآية 32) {فَكَذَّبُوا رُسُلِي} (سبأ: من الآية 45) {بِالْبَيِّنَاتِ} الدالة على صدقهم من المعجزات الواضحة {فَرِحُوا} أي الكفار {بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} قيل: عند أنفسهم من العقائد الفاسدة والشبه الداحضة [1] ، سماها علمًا تهكمًا بهم، وقيل: من علم الطبائع والتنجيم والصنائع، وقيل: إنه قيل لسقراط: لو هاجرت إلى موسى، فقال: نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا [2] . وقيل: بما عند الأنبياء من العلم، وفرحهم بعلمهم: ضحكهم منهم
(1) أي المدحوضة، وهو فاعل بمعنى مفعول، وهذا كثير في كلام العرب، كقولهم سرٌ كاتم، بمعنى مكتوم، انظر: المزهر في علوم اللغة للسيوطي 1/ 265.
(2) ذكره في الكشاف 4/ 177، ولم يعزه إلى أحد.