غويت وإن ترشد غزية أرشد ... لم نكد نفرغ بعد من تفنيد أخطاء الشيوخ في بيان المثقفين الأول الذي تزعمه وتولى كبره بعض"المنتكسين"، حتى فوجئنا بالبيان الثاني المسمى بـ"الجبهة الداخلية أمام التحديات المعاصرة"، والذي وقع عليه جمع من طلبة العلم، وفيهم أسماء عجبت كيف رضوا بأن يوافقوا تلك الزمرة المنتكسة من الشيوخ الذين تولوا كبر الأول والثاني، وعلى رأسهم الشيخ سلمان العودة والناطق الرسمي له الطريري، الذي أبى إلا أن يسير في فلك شيخه في الصواب والخطأ.
وهل أنا إلا من غزية إن غوت
ولست بصدد تفنيد كل ما جاء في ذلك الخطاب، الذي وصفوه بأنه (( بيان هدفه تعزيز تماسك الجبهة الداخلية استعدادًا لمواجهة التحديات التي تتعرض لها الأمة ) ).
ولكني سأذكر بعض الملاحظات عليه، علمًا بأن هناك من رد على هذا البيان وفند أخطاءه وفضح أكاذيبه.
الملاحظة الأولى:
من عادة البيان أن يكون واضحًا بينًا لا لبس فيه، وإلا فلايصح أن يسمى بيانًا وهو مليء بالعبارات الموهمة الحمالة لوجوه عدة.
وقد دأب هؤلاء"المبدِّلون"على صياغة عبارات مشتبهة في بياناتهم تخرج البيان عن مقصوده وتجعله أقرب إلى الألغاز والأحاجي منه إلى البيان والتوضيح.
وهذا الأسلوب عهدناه من أولئك الصحفيين والكتاب المشبوهين لخوفهم من أن يفتضحوا على الملأ، فيختارون العبارات التي تحتمل أكثر من وجه وأكثر من معنى، حتى يتسنى لهم الفرار والروغان عند المساءلة والمحاققة، فلا يليق بشيوخنا ودعاتنا أن يقلدوهم فيه.
الملاحظة الثانية:
إذا كانت الأمة كلها مهددة وتواجه تحديات وأزمات فهل يصح أن يقابل ذلك بتعزيز"الجبهة الداخلية"فقط؟
ولماذا لا يكون التعزيز للأمة كلها؟ خاصة وأن النصوص الشرعية لا تفرق بين المؤمنين بل هي صريحة في توحيد صفوفهم ومصيرهم، فأي عدوان يكون على مؤمن في الأرض فالأمة كلها معنية به، وما شرع الجهاد إلا لنصرة المسلمين كافة وإعلاء كلمة الله في أرجاء الأرض. وأما هذه الحدود فهي من صنيع أعدائنا، كما لايخفى على شيوخنا.
الملاحظة الثالثة:
أشار"البيان"في مقدمته إلى عدوان اليهود والصليبيين على المسلمين، خاصة في فلسطين والأفغان والعراق والشيشان وكشمير، ثم ذكر أن الجهاد ذروة سنام الإسلام وأن إقامته واجبة .. الخ. وهذا كلام مفرح، لكن أصحابه أبوا إلا أن يقيدوه بقيود حمالة أوجه بقولهم: (( وأن يتم النظر فيه من قبل أهل الرسوخ في العلم بعيدًا عن الاجتهادات الخاصة ... الخ ) ).
والسؤال الملحُّ: من هم أهل الرسوخ في العلم الذين ينظرون في أمور الجهاد وأسبابه وتحقيق شرائطه في العالم الإسلامي؟ أينظر في الجهاد في فلسطين علماء السعودية والكويت وقطر ومصر مثلًا؟ أم ينظر في الجهاد في أفغانستان علماء البحرين والإمارات وسوريا؟ وهل علماء المسلمين اليوم تربطهم رابطة واحدة وتجمعهم كلمة واحدة، أم كل بلد لديها علماؤها وشيوخها وفيهم راسخون أو من يظن فيهم أنهم راسخون؟
ثم ما هو معيار الرسوخ في العلم؟ هل هي الشهادات العلمية الأكاديمية؟ أم المناصب الدنيوية التي ترفع شيوخًا وتضع آخرين؟
ثم إذا حصل خلاف، ولا شك أنه حاصل، سواء في البلدان الإسلامية المتفرقة، أم في البلد الواحد، فبقول من نأخذ؟
ألا يذكر كتاب"البيان"ما حصل في حرب الخليج الثانية لما أفتى الشيوخ الرسميون بفتوى، عارضهم فيها جل الشيوخ الموقعين على هذا البيان، وكيف افترق الناس بعضهم مع هؤلاء وبعضهم مع هؤلاء؟ أننسى أشرطة"سقوط الأندلس"و"سقوط الدول"و"فستذكرون ما أقول لكم"و"ففروا إلى الله"و"لحوم العلماء مسمومة"و"حي على الجهاد"و"حتمية المواجهة"وكتاب"وعد كيسنجر"... الخ، وكلها كانت معارضة لفتاوى"كبار العلماء"ومواقفهم؟ وتتابعت بعد ذلك أحداث كثيرة داخلية وخارجية واختلفت فيها - بل تصادمت - آراء"الرسميين"مع"المثقفين"في بلد واحد، وكلنا شهدنا ذلك التصادم.
فكيف تريدون من الأمة الآن أن تتخذ موقفًا موحدًا من الأحداث المتفرقة في البلدان المتفرقة، وأنتم عاجزون عن توحيد الكلمة في حدث واحد في بلد واحد؟!
أم أن وصف"الراسخين في العلم"حكر على طائفة المثقفين؟
أفيدونا مأجورين!
الملاحظة الرابعة:
جاء في"البيان" (( ندعوا الحكومات بعامة وحكومات المنطقة بخاصة إلى رفض التدخل الأمريكي الغاشم تحت أي غطاء كان، وبكل قوة .. الخ ) ).
وهذا طلب غريب عجيب من كتاب"البيان"كأنهم لا يفقهون ولا يدرون ما هي علاقة حكومات المنطقة بأمريكا ودول الغرب!
ومما أضحكني - وشر البلية ما يضحك - قولهم (( .. وبكل قوة .. ) )!! أي قوة هذه التي تتحدثون عنها يا"عقلاء"؟! قوة"الشجب"أم"الاستنكار"أم الصياح والاستجداء والبكاء عند عتبة هيئة الأمم ومجلس الأمن؟
وهل نجع مع الكفار منذ فجر الإسلام أي قوة إلا قوة السيف - أعني الجهاد في سبيل الله - وهو ما لا يحب أن يسمعه منكم حكام المنطقة ولا حكام العرب كافة؟
وهل حصل للأمة ما حصل، من ذلة وهوان وتبعية، إلا بسبب ترك الجهاد في سبيل الله والركون إلى أعداء الأمة وأعداء الله؟
الملاحظة الخامسة:
حذر المثقفون من الافتئات على أهل العلم لاسيما في المسائل العامة ومنها مسائل الإيمان والكفر وذكروا أن (( التكفير مزلق خطير .. الخ ) ).
والسؤال المطروح دائمًا، والذي لا جواب عليه: من هم أهل العلم المعنيون؟
هل هم علماء المناصب"الرسميون"؟ أم شيوخ الصحوة"المنتكسون"؟ أم الشيوخ"المطاردون"؟
ثم أرأيتم إن اختلفت أقوالهم وآراؤهم، فكيف يكون الترجيح؟ بالكثرة؟ أم بالوجاهة؟ أم بماذا؟
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (( إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة، إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك ) ) [السنة للالكائي: ص 109] .
أما مسألة"التكفير"فهي من مسائل الشرع، وليست من"المزالق"كما زعم الشيوخ.
فالكفر ضد الإيمان، والله عز وجل خلق خلقه، فمنهم الكافر ومنهم المؤمن، فكما لا يجوز تكفير المؤمن الذي لم يرتكب ناقضًا من نواقض الإيمان والإسلام، لا يجوز أيضًا التوقف عن تكفير الكافرين من اليهود والنصارى والملاحدة والمرتدين.
وبتتبعي لبيانات المثقفين والرسميين وخطاباتهم رأيتهم يتحاشون وصف الكفار بالكفر، إلا لمامًا وعلى استحياء، واستبدلوا به كلمة"الآخر"فصرت تقرأ عبارات"الحوار مع الآخر"و"التعامل مع الآخر"وهذا منحى خطير، ومزلق من مزالق"التمييع"في الألفاظ الذي يؤدي إلى تضييع المعاني، وهو ما نلمسه جميعًا في الشعارات الوطنية والقومية، التي يقصد منها نقض عرى"الولاء والبراء"، وفيها مناقضة صريحة لنصوص الكتاب والسنة ومذهب سلف الأمة التي قسمت الناس إلى مؤمنين وكافرين ومنافقين ومشركين ومرتدين ومبتدعة وخوارج ومرجئة وشيعة وجهمية ... الخ.
وبعد ...
فثمة ملاحظات أخرى على"بيان"الشيوخ قد نبه إليها بعض أهل العلم، جزاهم الله خيرًا، وثبتنا وإياهم على الصراط المستقيم، وهذه الملاحظات مكملة لما ذكروه.
وأوجه نصيحة إلى كتاب البيان ومن دار في فلكهم من أتباعهم ومقلديهم وممن اغتر بهم من الشيوخ الآخرين:
بأن يدعوا الأمة وشأنها فيكفيها ما تعانيه من مصائب وويلات من أعدائها من الخارج، ويكفيها ما هي فيه من تفرق في الكلمة، واختلاف في الرأي، ويكفي الشباب ماهم فيه من حيرة وتخبط وتلبيس الحق بالباطل، فهم يعانون من ذلك"الانفصام النكد"بين ما قرأوه وتعلموه وسمعوه وتربوا عليه من قبل، وما يطرح لهم الآن بما يسمى منهج"الإسلام اليوم و"الوسطية"وغيرها من الشعارات المتناقضة والتي يتزعمها - للأسف الشديد - من كانوا من قبل على الجادة أو قريبًا منها، ثم صاروا اليوم إلى ما صاروا إليه."