فقد جعل الإسلام للتوبة المكانة العظمى والمنزلة الأسمى، ومن وفقه الله تعالى إليها فقد نال خيرًا كثيرًا، وعلى رأس هذا الخير محبة الله سبحانه وتعالى للتائب ورضوانه عنه ومغفرته له. والتائب يمتلئ قلبه لله محبة وإجلالًا وتعظيمًا، وتذل نفسه لله، وتخضع، ويظهر انكسار العبد لربه وافتقاره إليه [1] . ومن أعرض عن التوبة فقد حرم نفسه من أعظم خير معروض عليه، وضيع فرصة مقدمة إليه وليس وراء حرمان نفسه منها إلا الهلاك والخسران.
فما ظنك بوظيفة وعمل وعبادة تنقل الإنسان من صف أولياء الشيطان إلى صف أولياء الرحمن، تنقله من سخط الله وغضبه إلى رضوانه وعفوه ومحبته، ومن استحقاقه العقوبة عدلًا على أفعاله إلى ترك معاقبته من جهة ومعاملته بالمحبة من جهة أخرى فضلًا وإحسانًا.
التوبة تنقل العبد من خسارة أبدا إلى ربح أبدا، ومن استحقاق نار الجحيم إلى الفوز بجنة النعيم. فالسعيد من عرفها ومارسها واستدامها حتى ساعة فراق الدنيا.
كما أن التوبة سبب في تطهير القلوب، قال الله تعالى: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [2] .
قال ابن جرير الطبري- رحمه الله - [3] : ويمن الله على من يشاء من عبيده الكافرين فيقبل به إلى التوبة بتوفيقه إياه [4] .
(1) ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، الكتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق: محمد حامد الفقي، ط 2، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، 1393 هـ- 1973 م، (3/ 311) بتصرف.
(2) سورة التوبة، الآية: 15.
(3) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام الطبري الذي عاش بين (838 م-923 م) (224 هـ آمل، طبرستان - 26 شوال 310 هـ) مؤرخ ومفسر وفقيه مسلم صاحب أكبر كتابين في التفسير والتاريخ. يعتبر من أكبر علماء الإسلام تأليفًا وتصنيفًا. انظر: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر - بيروت، (4/ 192) .
(4) الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، المحقق: أحمد محمد شاكر، ط 1، الناشر: مؤسسة الرسالة،1420 هـ- 2000 م، (14/ 162) .