بعماهم عن الآيات وقد تجلت، وإنكارٌ عليهم تعطيلهم لعقولهم، كيف تغفلُ عن هذه الحجج الواضحة، وتتخبطُ في ظلمات الجهل ومتاهات الكفر.
أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يُعْلِمَهم أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي، وأنه لا يعلم الغيب فيخبر بما كان وما سيكون، وأنه ليس بملَكٍ حتى يطلع على ما لا يطلع عليه البشر، إنما هو نبيٌّ مرسَلٌ، مُتَّبِعٌ لما يوحى إليه من ربه عز وجل، فإذا أخبر عن غيبٍ فبوحيٍ من الله إليه.
ذلك: أن القوم كانوا يَقْتَرِحُون عليه إظْهَارَ معجزاتٍ قاهرةٍ، كقولهم: {? ? ? ?} [الإسراء: 90] فقال تعالى في آخر الآيات: { ? ? ? ? ? ? ?} [الإسراء: 93] يعني: أنَا لا أدَّعِي إلاَّ الرسالةَ والنُّبُوَّة، وهذه الأمور التي طلبتموها لا يمكن تحصيلها إلاَّ بقدرة الله.
منطلقٌ حواريٌّ
{? ? ? ? ?} : أنذر بهذا القرآن من ينتفعُ بهذا الإنذار من المؤمنين المخلصين الذين يخافون من يوم الحشرِ، فيعملون لهذا اللقاء الذي لا يغيب عن بالهم ولا يفارق خواطرَهم، وأنذر به كل من يؤمن بهذا اليوم ويقر به من طوائف المشركين وأهل الكتاب، وذلك بأن يكون الإيمان بيوم الحشر: قاعدةً مشتركة وركيزة ثابتة ومنطلقا حُوَارِيًّا؛ للبحث عن الزاد الحقيقي لهذا اليوم والطريق الصحيح للنجاة من أهواله وعقباته فالطريق: طريق القرآن والزاد: مخافة الرحمن.
قال الإمام الشوكاني:"وخص الذين يخافون أن يحشروا، لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حلّ بهم من الخوف، بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له، فإنه لا يؤثر فيه ذلك" [1] .
وقال الخازن:"قال ابن عباس: يريد المؤمنين لأنهم يخافون يوم القيامة وما فيه من شدة الأهوال. وقيل: معنى يخافون يعلمون والمراد بهم كلُّ معترف بالبعث من مسلم وكتابي وإنما"
(1) - فتح القدير للشوكاني 2/ 119