الصفحة 102 من 192

إنه الجهل المطبقُ بالحقِّ والضلالُ المبينُ الذي يحملهم على إنكار الرسل والرسالات وقد تعطرت الدُّنى [1] بسيرتِهم، وأضاءت صفحاتُ التاريخ بمآثرهم ومناقبهم، فتواتر ذكرُهم على مرِّ العصورِ والأجيالِ حتى أصبح من الحقائق المسلمة التي يُسلِّمُ بها كلُّ منصفٍ.

أما أولئك الجاحدون فإنهم ما قدروه حقَّ قدره، وما عرفوه حقَّ المعرفة {? ? ? ? ? ? ?} حين نطقوا بكلمة الكفرِ والإلحاد، حين قالوا مقولتهم الظالمة التي تعبِّر عن تصوراتهم المظلمة.

ما عظّموا ربهم حقَّ التعظيم ولا عرفوه حقَّ معرفته حين أنكروا ما تواترت به الأخبار وما جاء به الوحي فقالوا مكابرينَ مقولة الجاحدين { ? ? ?} ! وهذا قدحٌ في حكمته تعالى وعدلِه، وزعمٌ أنه ترك عباده هملًا بلا شرعةٍ ومنهاجٍ، ونفيٌ لأجلِّ النعم التي أنعم الله بها على عباده وهي إرسال الرسل.

وهنا يتبادر هذا التساؤل: من القائل؟ أهم كفار قريش؛ حيث نزلت السورة في محاجتهم؟ فكيف احتجَّ عليهم بنبوة موسى وإنزال التوراة عليه؟ أم أصحاب هذه المقولة الظالمة هم أهل الكتاب؟

ذهب ابن جرير الطبري إلى أن الآية نزلت في مشركي قريش واستدلَّ على ذلك بأن سياق الآيات إنما نزلت فيهم، وردَّ رأي من زعم أن الآية نزلت في يهود، فبين أن اليهود لم يجرِ لهم ذكرٌ متصلٌ بهذه الآيات ولم يُعْرَفْ عنهم إنكارٌ للرسل والرسالات، كما لم يرد ما يدلُّ على أن الآية نزلت في يهود [2] .

وقال ابن كثير:"يقول تعالى: وما عظموا الله حق تعظيمه، إذ كذبوا رسله، قال ابن عباس، ومجاهد، وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش، واختاره ابن جرير، وقيل: نزلت في طائفة من اليهود؛ وقيل: في فنحاص رجل منهم، وقيل: في مالك بن الصيف."

{ ? ? ?} والأول هو الأظهر؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب كانوا ينكرون إرسال رسول من البشر، كما قال تعالى { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?•? ? ? ?} [يونس: 2] ، وقال تعالى {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [الإسراء: 94، 95] ، وقال هاهنا: {? ? ? ? ? ? ?} قال الله تعالى: { ? ? ? ? ? ?} ؟ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة: { ? ? ?} يعني: التوراة التي قد علمتم أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران نورًا وهدى للناس، أي: ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظُلَمِ الشبهات" [3] ."

وقوله تعالى { ? ? ? ? ?} أي: يجعلها حَمَلَتُهَا قراطيس، أي: أجزاءً من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون فيها ما يحرفون ويبدلون ويتأولون، {? ? ? ? } [البقرة: 79] ، أي: في كتابه المنزل، وما هو من عند الله؛ ولهذا قال { ? ? ? ? ?} .

أقول: الآية في أولها حديث عن المشركين {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} ثم جاء الالتفات إلى اليهود في قوله تعالى { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} حيث كان اليهود على علمٍ ببعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا على اتصالٍ بالمشركين يُمِدُّونهم بالأسئلة والشُّبه، أو أن قوله تعالى { ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} كان في بعض مشركي مكة الذين كانوا على علمٍ بالتوراة وما فيها من بشاراتٍ بالنبي الخاتم ومع ذلك لم يؤمنوا.

وقال أبو حيان:"إن كان المنكرون بني إسرائيل فالاحتجاج عليهم واضح لأنهم ملتزمون نزول الكتاب على موسى وإن كانوا العرب فوجه الاحتجاج عليهم أن إنزال الكتاب على موسى أمر مشهور منقول" [4] .

(1) - الدُّنى: جمع الدنيا، نحو الكبرى والكبر، والصغرى والصغر.

(2) - يراجع جامع البيان للطبري 7/ 309

(3) - يراجع تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/ 280

(4) - البحر المحيط 5/ 202

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت