فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 183

إِفْكٌ مُّبِينٌ (12) .

وقولُهُ تَعَالَى:

{وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَاذَا سُبْحَانَكَ هَاذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) } .

فجاء ذكْرُ حديثِ الإِفْكِ باسْم الإِشارة"هذا"في ثلاثة مواضع: [هذَا إفْكٌ] و [مَا يكونُ لنا أن نَتَكلّم بهذا] و [هذا بِهْتَانٌ عَظيمٌ] لتمييزه أبلغ تمميز، وإبرازه بما فيه من قُبْحٍ وشناعةٍ وظُلْمٍ لا يَلِيقُ بالمؤمنين.

* وتظهر إرادة تمييز المشار إليه في قول الله تعالى في سورة (آل عمران) خطابًا لأهل الكتاب:

{ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (65) هاأَنْتُمْ هَؤُلا ءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (66) } .

{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَاذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) } .

لمَّا كان خطابُ أهل الكتاب بعبارَة {هاأَنْتُمْ} محتَمِلةً لمخَاطبَةِ جميع أهْلِ الكتاب إبّانَ التّنزيل، سواءٌ من كان منهم قد واجه الرَّسُول محمّدًا صلى الله عليه وسلم ومن لم يواجهه، اقتضى تمييز المجادلين من عموم أهل الكتاب بعبارة {هَؤُلا ءِ} أي: يَا هؤُلاء، لا غيركم من سائر أهل الكتاب.

وفي الآية (68) اقتضى تمييز محمّد صلى الله عليه وسلم باسم الإِشارة مع وصفه بالنبوّة، فقال تعالى: {وَهَاذَا النَّبِيُّ} .

الداعي الثالث: إرادة التعريض بغباوة المتلقّي، إذ يُشْعِر أحيانًا استخدام اسْم الإِشارة بأنّ المخاطَب يحتاج لتمييز المتحدّث عَنْهُ إلى إشارة حسّيَّةٍ، وأنَّه لاَ تكفيه الدلالات الفكريّة.

* ويمكن أن نفهم التعريض بغباوة المخاطبين في قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (الأنعام) :

{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَاذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (30) } .

أي: أليس هذا الذي أنْتُمْ فيه تُحِسُّونَهُ وَتَعِيشون فيه بعد بعثكُمْ إلى الحياة الأُخْرى بالواقعِ الحقّ، وهو الأمر الذي كنْتُمْ تُنْكِرُونَه وتَجْحَدُونَه في الحياة الدنيا؟

الداعي الرابع: إرادة تكريم المتحدَّث عنه والتعبير عن ارتفاع منزلته، باستعمال اسم الإِشارة الذي يُشار به إلى البعيد، والأمثلة على هذا كثيرة في القرآن المجيد.

الأمثلة:

* قول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة) : {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) } .

جاء في هذا النّص استخدام اسم الإِشارة الموضوع للمشار إليه البعيد، مع أنّ المشار إليه متْلُوٌّ على المتلقّين قريبٌ منهم، للإِشعار بأنَّه جليلٌ رفيع المنزلة، جديرٌ لارتفاع منزلته أن يشار إليه باسم الإِشارة الموضوع للبعيد.

* وقول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة) أيضًا بعد أن فصّل صفات المتقين:

{أُوْلَائِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } .

فأشار إليهم باسم الإِشارة الموضوع للمشار إليه البعيد إشعارًا بارتفاع منزلتهم فوْقَ الناس، إذْ منزلتهم الرفيعة جديرة بأن يُشَارَ إليهم فيها بهذه الصيغة من أسماء الإِشارة.

ونظائر هذا الاستعمال في القرآن كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت