قول الله عزَّ وجلَّ في سورة (النمل) :
{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَاهٌ مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّو ءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ أَإِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًَا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ والأَرْضِ أَإِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} .
هذه الآيات تشتمل على بيانٍ تعليميٍّ لمناظرةٍ جدليّة مع المشركين، وهي تسير ضمن خطوات:
(1) يأمُرُ هذا التعليم بافتتاح هذه المناظرة بعبارة: الْحَمْدُ لله وسَلاَمٌ على عباده الذينَ اصطفَى.
أي: كلُّ الحمد لله وحده، وبعد توجيه الحمد له، يوُجِّهُ سلامًا على عباده الذين اصطفى، وهم أنبياؤه ورسُلُهُ عبْرَ تاريخ الناس، وهم الذين حملوا لواء الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنَّهْي عن الإِشراك به، وفي هذا تجرُّدٌ من معنى التعصّب للرسول الخاتم محمّد صلى الله عليه وسلم لشخصه.
(2) وبعْدَ المقدّمة الافتتاحيّة يطرحُ المناظر المؤمن المسلم سؤالًا حول المقارنة بين الخالق الرّبّ وبين ما يتّخِذُه المشركونَ من شركاء على اختلاف أنواع شركهم، واختلاف ذوات شركائهم، وعبارة هذا السؤال: {ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} .
وتحليل هذا السؤال يقتضي بيانًا تَفْصِيليًّا لصفاتِ الرّبّ الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضارّ إلى سائر صفات الله عزَّ وجلَّ، وبَيَانًا تقصيليًّا لصفاتِ ما اتّخَذ المشركون من شركاء لله في العبادة.
وبهذا البيان التفصيليّ المقارن يظهر أنّ ما اتَّخذهُ المشركون من شركاء لا يملكون شيئًا من خصائص الربوبيّة، فلا ينفعونَ أحدًا ولا يضُرُّونَ أحدًا، بل هم عاجزون عن أن يجلبُوا لأنفسهم نفعًا أو أن يدفَعُوا عن أنفسهم ضرًّا.
وإذا كان هؤلاء الشركاء لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا، فإنّ أحدًا منهم لا يستحقُّ أنْ يُعْبَدَ من دون الله، ولا أن يكون شريكًا للّهِ في كونه إلهًا معْبُودًا.
(3) فإذا ادّعَى المشركون أنّ لشركائهم نفعًا أو ضررًا أو مشاركة للّهِ في ربوبيّته، فإنّ على المناظر أن يدخُلَ في عرضِ مظاهر ربوبيّة الله في كونه، فيطْرَحُ تساؤلاته التفصيليّة كما يلي:
* مَنْ خَلَق السّماوات والأرْضَ وأنزلَ لكُمْ من السماء ماءً فأنبتَ به حدَائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ؟.
* مَنْ جَعَلَ الأرضَ قرارًا وجَعَلَ خلالَهَا أنهارًا وجَعَلَ لها رواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البحرَيْنِ حَاجزًا؟.
*مَنْ يُجيبُ المضظّرّ إذا دعَاهُ ويكشفُ السّوءَ ويجعلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ؟.
*مَنْ يَهْدِيكُمْ في ظُلُماتِ البرّ والْبَحْرِ ومَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رحْمَتِه؟. * مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ والأرض؟.
هذه مجموعات خمس من الأسئلة التي تجري المناظرةُ حولها من شأْنها أنْ تُوصِلَ بَعْدَ تقديم الحجج والبراهين والأدلّةِ العلميّة إلى الإِقناع بأنّ كلَّ هذه الظواهر الكونيّة هيَ من آثار الرّبّ الخالق، وأنَّهُ ليس شيءٌ منْها من أعمال شركاء المشركين، لا على سبيلِ الاستقلال، ولا على سبيل المشاركة في الرّبوبيّة.
وبما أنّ الإِلهيَّة لا يَصِحُّ عَقْلًا أنْ تكونَ إلاَّ لِمَنْ لَهُ الرُّبوبية، أو لَهُ مُشَارَكَةٌ مَا فِيها.
وبما أنَّ أحدًا غير الله عزَّ وجلَّ لَيْسَ رَبًّا ولاَ مُشَارِكًا لِلَّهِ في جُزْءٍ من ربُوبيّته.
فإنَّهُ لاَ يَصِحُّ عَقْلًا أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونَ اللَّهِ، ولاَ أنْ يُجْعَلَ مَعَ اللَّهِ شريكًا في عبادة العابدين.
ويُلاحظُ أنّه قد جاء في النّصّ بعد كلّ مجموعةٍ من الأسئلة السابقة تعقيبٌ مبدوءٌ باستفهام انكاريٍّ تَعْجِيبِيّ من شركِ