فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 183

-لا تَنْبِزُوا بالألْقَاب أَنْفُسَكُم - اجْتَنِبُوا النَّبْزَ بالألْقَابِ - لاَ يَنْبِزْ بَعْضُكُمْ بعْضًا". وهكذا يُقَالُ في سائرها، فأغْنَى أسْلوبُ التعبير الذي جاء في واحدةٍ مِنْها عن إعادة في سائرها، فَتَكامَلَتِ التَّعَبِيراتُ في أداء المقصود من دَلاَلاَتها المختلفات."

ومع هذا الأسلوب البديع الدّالّ على التكامل في الصِّيغ المختارة لكل صنف من هذه القبائح السّت، فقد اخْتِيرَ لكلّ قبيحةٍ منْها صيغَةُ التعبير الّتي تدُلُّ عَلى أبْرَزِ صُورَةٍ من صُورِها، وهذا من الدّقّةِ الفكريّة، والبراعةِ والإِبْدَاعِ الفّنّي.

(1) فالسخريةُ تغلبُ فيها المشاركة الجماعيّة، إذِ السّاخِرُ يضْحَكُ بسُخْريتِه آخرون، فيكونون مشاركين له في عمله، فجاء التعبير فيها بأسْلُوب:"لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قوم ... وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ".

وجاء في هذا التعبير إفراد النساء عن الذكور، لأنّ الغالبَ أنْ لا يسْخَرَ الرّجالُ من النساء، ولا يسْخَرَ النساءُ من الرجال، وللإِشارة ضِمْنًَا إلى أنّ المجتمعات الإِسلاميّة هي مجتمعاتٌ غيرُ مختلطة في الغالب من الأحوال، فتقِلُّ فيها السُّخْريَةُ بيْنَ الصّنفين، والخطابُ في النّصّ قد بدأَ بنداءِ الّذين آمَنُوا.

وأسلوبُ هذا التعبير يَصْلُحُ تَعْميمُهُ على القبائح السّت.

(2) واللّمُزُ يَغْلِبُ فيه الْعَمَلُ الفرديّ الخفيُّ، الّذي يُدْرِكُهُ أهْلُ الفطانةِ والنَّباهة، فجاء التعبير بأسلوب: {وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} وللدّلاَلَةِ أَيْضًا عَلى أنَّ مَنْ لَمَزَ أخاهُ المؤمِنَ فكأنّما لَمَز نَفْسه، لأن المؤمنين هم بمثابة الجسَدِ الواحد. وهذا المعنى مع أسلوب التعبير يصْلُحُ تعميمُهُ على سائِرِ القبائح السّت، فنقول:"لاَ تَسْخُرُوا مِنْ أنفسكم - لاَ تَبْزوا أنفسكُمْ بالألقاب - اجْتَنُبِوا كثيرًا منَ الظّنّ في أنْفُسِكُمْ - لاَ تَجَسَّسُوا على أنْفُسِكُمْ - لاَ تَغْتَابُوا أنْفُسَكُمْ".

(3) والنَّبْزُ باللَّقَب، وهوَ الشَّتْمُ بالألْقَابِ القيحَة، عَمَلٌ تَغْلِبُ فيه المشاركَةُ بيْنَ فَرِيقَيْن، فَمَنْ نَبَزَ غَيْرَهُ رَدّ عَلَيْهِ المنْبُوزُ غالبًا بِمِثْلِ قَوْلِهِ، أَوْ بأقْبَحَ منْه، انتقامًا لنفسه، فالتنابُزُ كالتَّقَاتُل، من أجل ذلك جاء التعبير بأسلوب: {وَلاَ تَنَابَزُوا بالألقاب} . وهذا المعنى مع أسلوب التعبير يصْلُحُ تعميمه على سائر القبائح السّتّ، فنقول فيها:"لاَ تَتَساخَرُوا - لاَ تَتَلامَزُوا - لاَ تَتَرَامَوْا بكثير من الظّنّ - لاَ تتعامَلُوا فيما بينكُمْ بالتَّجَسُّس - لاَ تترامَوْا فيما بينكُمْ بالغيبة".

(4) وأفضل وسيلة لترك الظنّ الذي يأثم به صاحبُه، هو اجتنابُ كثيرٍ من الظّنّ، لأنّ من جرى مع ظُنونه أو صلَتْهُ إلى ما يأثَمُ به حتمًا، لمَا لاتِّباع الظنّ من مزالق، وتسلُّطٍ على النفوس، فجاء التعبير فيه بأسْلُوب الأمر بالاجتناب، أي: بالابْتعادِ عنْ كثيرٍ مِنَ الظّنّ: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} وأسلوبُ الأمر بالاجتناب يَصْلُحُ تعميمه على سائر القبائح السّتّ، ففي الابتعاد عن حُدودها سلامةٌ وحفظ وورعٌ محمود، فنقول فيها:"اجتنوا السُّخْرية - اجْتَنبوا اللّمز - اجتنبوا التنابُزَ والنّبْزَ بالألقاب - اجتنبوا التجسُّس - اجتنبوا الغيبة".

(5) والتجسُّس يغْلبُ فيه العملُ الفرديّ الذي يستخفي به فاعله فجاء التعبيرُ فيه بأسْلُوب: {وَلاَ تجَسَّسُوا} فالنهيّ للجماعة عمّا يمكنُ أن يقوم به كلّ فردٍ منْهُم هو نهيٌ موجّه لكل فرد، وأسلوبُ هذا التعبير يصْلُح تعميمُه على سائر القبائح السّتّ: فنقول فيها:"لاَ تَسْخَرُوا - لاَ تَلْمِزُوا - لاَ تَنْبِزُوا بالألقاب - لا تَتَّبِعُوا كثيرًا مِنَ الزنّ لاَ تغتابُوا".

(6) والغيبة ظاهرة من ظواهر القبائح الاجتماعية، التي يؤذي أو يَضُرُّ بهَا النَّاسُ بعضُهم بعضًا، إذْ فيها مُغْتَابٌ وسامع مشاركٌ لَهُ أو أكثر، فجاء التعبيرُ في النهي عنها بأسلوب: {وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} وهذا الأسلوبُ من التعبيرُ يَصْلُحُ تعميمُه على سائر القبائح السّتّ، فنقولُ فيها:"لاَ يَسْخَرْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ - لاَ يَلْمِزْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا - لاَ يَنْبزْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا - لاَ يَتَّبِعْ بَعْضُكُمْ كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ بِبَعْضٍّ - لاَ يتجسَّسْ بَعْضُكُمْ عَلَى بعض".

بعد هذا الشرح المفصّل أقول: إنّ المتدبّر الْفَطِن يكشفُ أنّ جمع هذه التعبيرات ذوات الأداء المختلف، في نصٍّ واحد قد جمع عدّة رذائل اجتماعيّة، هي أشباهٌ ونظائر فيما بينها ويُمْكن أن يوضع لها عنوان واحد، بغيَة النهي عَنْها والتحْذيرِ مِنْها، يُشْعِر بأنّ كلّ تعبير منها يَصْلُح تعميمُهُ واستعماله في سائرها.

وهذا من روائع الإِيجاز والإِعجاز البيانيّ الّذي اشتمل عليه القرآن المجيد.

المثال الثاني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت