أمّا أنْ يَطْوِيَ ذِكْرَ الشّبُهَاتِ والتَّوَهُّمات، ويأتي بالرُّدُود الإِقناعيّة ضمْن أساليبَ متنوّعة، فهَذَا ممّا يَنِدُّ عند الخواطر مهما كانَتْ لمّاحَةً ذاتَ فُنُونٍ أدَبيَّة.
المثال الرّابع:
قال الله عزّ وجلّ في سورة (الفرقان) :
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} .
اعْتَرَضَ الْمُشْرِكُونَ عَلى إِنْزَالِ القرآن مُنَجَّمًا، وطَالَبُوا بتَخْضِيضٍ أنْ يُنَزَّلَ جُمْلةً واحِدَة.
أي: ما الداعي إلى تنزيله مُفَرَّقًا مُنَجّمًا؟ إِنَّ هذا الأسْلُوبَ التَّنْجيميَّ يَدْعُوا إلَى الشَّكِّ في أنّه كلامُ الله، ألَيْسَ اللَّهُ عليمًا بكلّ شيءٍ، قديرًا على أَنْ يُنَزّلَ الْقُرآن كُلَّه في وقْتٍ وَاحِدٍ؟!
فجاء الرّدّ القرآنيُّ مُبَيِّنًا ثَلاَثَ حِكَمٍ لتَنْزِيلهِ مُفرّقًا مُنَجّمًا، ولكِنَّ بيان هذهِ الْحِكَم جاءَ مُنَوَّعًا بأساليبَ مُخْتَلِفة، قَدْ لاَ يَلْتَقِطُ منها التّالي للنصِّ إلاَّ الْحِكْمَةَ الأولى، لأنّ الحكمتَيْنِ الأخْرَيَيْنِ جاءتا بأُسلوبٍ آخر.
فالحكمة الأُولى: نُدْركُها في قول الله عزّ وجلّ خطابًا للرَّسول صلى الله عليه وسلم: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} .
وتثبيتُ الْفُؤادِ يكُون بما يُورثُهُ السُّكُونَ والطُّمَأْنينَةَ تُجَاهَ مَا يُمْكنُ أن يَهُزّهُ ويُقْلِقَهُ ويُزْعجَهُ مِنْ أحداثٍ يوميَّةٍ غيرِ سارّة.
وقد كان الرسولُ صلى الله عليه وسلم يتَعَرَّضُ منْ قِبَل كُفَّارِ قَوْمِه لأحْدَاثٍ كثيرةٍ غير سارّةٍ تُقْلِقُ وتُزْعِجُ أفْئِدَة عظماءِ الرجال. فإذا وجَدَ نفسَه على صلةٍ بالْوَحْي من آنٍ لآخر بصُورَةٍ متكرِّرة، لمْ تُزْعِجْهُ ولمْ تُقْلِقْه الأحداثُ، إذْ يشْعُرُ حِسِّيًّا بأنّ الرّبّ الجليلَ الذي أرسَلَهُ وأنزل عليه جِبْريلَ بالْوَحي، لم يَتْرُكْهُ لِنَفْسِه يُؤدّي وظائِفَ رِسَالته، بل هو على صِلَةٍ به، يُنَزّلُ عليه الآيَاتِ القرآنيّة تِباعًا، ويُعالجُ الأحداثَ التي يتعرَّضُ لها تِبَاعًا، ويُقَدِّمُ لَهُ الوصايَا والتعليمات الهاديات له في مسيرته، وهو يقوم بوظائف رسالته، ويَشْعُر أيضًا بأنّه مدعومٌ بقُوَّةٍ عظيمةٍ من الغيب، تتابعُهُ في كُلّ صغيرةٍ وكبيرة.
فلهذا الأمر شأنٌ عظيمٌ جدًّا في تثبيتِ فؤاده، ليقوم بجلائل الأمُور، ضِمْنَ قَوْمٍ يَخْشَى أَنْ يتألَّبُوا عليْهِ، ويَمْنَعُوهُ مِنْ مُتَابعةِ وَظائِفِ رسَالَتِه بالْقُوَّة.
والْحِكْمَةُ الثَّانية: نُدْرِكُها في قول الله عزّ وجلّ في النصّ: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} .
هذه الحكمةُ جاءتْ بأُسلوبٍ مخالفٍ لأسْلوبِ عَرْضِ الحْكْمَةِ الأولى، الأمْر الذي قد يجعل تاليَ النص لا يُدْرك أنّ النصّ يُتابعُ بيانيَ الْحِكَمِ منْ تنزيل القرآن مُنَجّمًا.
التَّرْتِيل: هُو التَّمَهُّلُ والتَّأَنّي في الكلام، والتَّبْيِينُ له، للتَّمكينِ والتحقيق، وبناءِ الْمَعْرِفَة في المتَلَقّين بناءً تَكَامُلِيًّا، وذلك لا يحصُل بإنزاله جملةً واحِدةً، بل يحصلُ بإنْزَاله في دروسٍ تعليميّة قِسْمًا بَعْد قِسْم، مع الاستفادة من الأحداث والمناسبات.
وقد جاء شرح هذه الحكمة في قول الله عزّ وجلّ في سورة (الإِسراء) :
{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} .
{فَرَقْنَاهُ} أي: جَزَّأْنَاهُ، وفَصَّلْنَاهُ، وبَيَّنَّاهُ، وأصْلُ معنَى الْفَرْقِ الفصْلُ بيْنَ الشّيْئَيْنِ أو الأشياء، وتمييزُ بَعْضِها عن بعْض.
وأَوْضَحُ صُوَرِ هذا الْفَصل والتَّمييزِ أَنْ يُنَزَّلَ الكتَابُ على مراحِلَ زمَنيّةٍ مُتَفاصِلَةٍ مُتَباعِدَةٍ.
{عَلَى مُكْثٍ} أي: عَلى تَمَهُّلٍ، وتَوَقُّفٍ، وانْتِظَارٍ، رَيْثَما تَثْبُتُ مَعْرِفَةُ الْقِسْمِ الْمُنَزَّلِ.
يُقال لغة: مكَثَ بالمكانِ يمكُثُ مُكْثًا وَمَكْثًا ومُكُوثًا، إذا توقّف وانتظَرَ.
{وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} أي: ونَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا بأناةٍ وتَمَهُّلٍ وتَحْقِيقٍ مع كلّ قِسْمٍ يُنَزّل منه، فالتأكيدُ بالمفعول المطلَقِ للإِشارة إلى نوع التنزيل.
والحكمة الثانية: نُدْرِكُهَا من قول الله عزّ وجلّ في النصّ: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} .